ونَعْتَصِمُ بِحَبْلِهَا

single

كان يُهاتفني صديقي ورفيقي، بين الفَينة والأخرى، كغيرهِ من أصدقاء الكلمة الحقَّة التي تنفعُ النَّاسَ وتمكُثُ في الأرضِ، مُحاسِبًا ولائمًا ومشتكيًا من موزِّع "الاتِّحاد"، على عدمِ انتظامِهِ في التَّوزيعِ اليوميِّ لصحيفة الشَّعب، الأمر الذي كان ينزعُ منه صباحَه ويومَه الجديدَ، على حدِّ قوله، خاصَّةً عندما تعوَّد أن يحتسي معها فنجانَ قهوة الصَّباح على شُرفةِ بيته، يتيمًا في وحدتِهِ ومُتَيَّمًا في قراءتها، دون أن يعرف سبب غياب حبيبته، حيث يقضي صباحَه في البيتِ، جيئةً وذهابًا بين صندوق بريده وشرفتهِ، مثل بندول السَّاعةِ ورقَّاصها، يرقصُ من غضبه على ذلك النَّهار، دون أن يملَّ من المراقبةِ والانتظارِ والتَّخمينِ..
وحين كنتُ أسأل موزِّع الجريدة عن السَّببِ، كان يُجيبني باستغرابٍ لاعنًا ساعة ولادته، دون أن يُبقي قسَمًا أو نبيًّا أو وليًّا صالحًا يستعين به لإظهار حقيقة أمرِِهِ، بتأكيدهِ أنَّه في ذلك اليوم قد وضعها في الصُّندوق.
أعرف جيِّدًا، أنَّها أحيانًا لا تُوزَّع بسببهِ أو بسببِ طباعتِها المتأخِّرة أو ناقلِها للفروعِ أو تحريرِها عندما يطولُ انتظارُ خبرٍ ما أو لسببٍ آخر لا يعلمُهُ سوى مولانا..
وأنا في حَيرةٍ من أمرهم أرقصُ منهَكًا ومنهمِكًا ومتكهِّنًا بين هذه الإمكانيَّات، المطبعة! ناقلها للفروع! التَّحرير! موزِّعها في حيفا (بعد طفرةٍ منه لعدمِ تسلمِهِ رواتبِهِ الشَّهريَّةِ المستحقَّة)!
لكنِّي امتنعتُ وامتنع من أن أُحمِّل أحدًا إثْمًا في ظنِّي، واعدًا سائلِيَّ أنَّ الحلَّ قريبٌ
وسوف نعرف السَّبب ليَبْطُلَ العجب..
لكنَّ جهيزةَ قطعت قول كلِّ خطيبٍ، حين جاءني هذا الصَّديق، "المحروق دمُّو" على صحيفتنا التي نشأ معها ولازمته حياته ولازم صدورَها الاسبوعيَّ واليوميَّ، منذ أن كان طالبًا في ابتدائيَّة النَّاصرة، يحدِّثني صائحًا "يوريكا! يوريكا!" بعد أن وجد سبب "رقصه" في صباح بعض الأيَّام، أنَّهُ بعد أن رجعَ إلى البيت عند بزوغِ الفجرِ من سهرة سمرٍ ولا كلِّ السَّهرات، وإذ به يرى فتًى دون العاشرة من ربيعه، يُدخِل سلكَيْن في صندوق بريد رفيقِنا بُغيةَ حصوله على "الإتِّحاد"، لكنَّ زائري الصَّديق والرَّفيق تركه عند رغبته، دون أن ينبسَ ببنت شفة، بعد أن أثار فضولَه واستغرابَه منه، فبعد أن انتشلها من مخبئها بخِفَّةِ محترفٍ شبه يوميٍّ، تقدَّم منه صاحبُنا سائلاً عن فعلتِه، أجابه أنَّه يأخذُ الجريدة كلَّ صباحٍ لجدِّه في البيتِ، الذي كان يتوعَّده "يا ويلك إن أجيت بدونها"، فقام صديقي وأعطاه الجريدة ناسيًا أن يسأله عن اسمِ جدِّه الذي لو عرفه لقام بتوصيلها إليه يوميًّا، دون أن يحمِّل حفيدَه هذه المخاطرة المُُزمنة، بعد قراءتها على الأقلِّ، فيكون قد ?..جاء بالحَسنةِ فلَهُ عَشْرُ أمثالِها? أو أزيد أو أن يدُلَّني على عنوانه حتَّى أجْبي منه اشتراكًا جديدًا، إذا سمحت له ظروفه المادِّيَّة على دفع اشتراك سنويٍّ، مع أنَّ ثمنَ الاشتراكِ السَّنويِّ زهيدٌ، ويكونُ قد ساهم في مجهود التَّثقيف والتَّنوير والتَّربية على قولِ كلمة الحقِّ.
لنحمِ صحيفةَ الكِرام وقلعتَهم والنَّاطقةَ باسمهم ولسان حالهم، ولتبقَ "الاتحاد" إتِّحادَنَا نعتصم بحبلها ونقوَى بها وتقوَى بنا وندفع عنها كلَّ ضيم ونذود عنها بِمُهَجِنا وقلوبِنا وعقولِنا، حتَّى تستمرَّ في عطائها المثمرِ، الذي لا ينضبُ ، مهما اشتدَّت الأنواء والأعاصير ونضعها برمش العين..   
قد يهمّكم أيضا..
featured

الاستثمار بالعرب، بدلًا من المستوطنات

featured

قارب النجاة وشاطئ السلامة

featured

الرباط في الرباط والانتماء الى العالم الجميل

featured

تراجيديا الكرمل

featured

مفخرة الصناعة الأمريكية.. الارهاب!

featured

أغمد السيف!! فهل يستل الضمير؟؟

featured

أبو زياد، حبيب زريق – طالَ عُمْرُكَ

featured

عن أماكن ضاعت وأخرى يصعب الاهتداء إليها