مع انسياب صوت أذان الفجر وفي ثنايا البيوت المهجورة منها والمندثرة في اليوم الاول من الهدنة والصمت الحزين الحذر ما زال يخيم باكيا عمق الجريمة، اخترقت حبال النور بقوة الامل جدار الليل الطويل ليطل لاول مرة على فعل الغزاة في هذا الهدوء الباكي. الناس ارهقها التعب وادرهمت ابصارهم مع قلة النوم، سكرات الحزن اذابت احاسيس ملتهبة وحارقة بجمر ما تمخض عن محرقة مذهلة من فعل عقول، كوتها نفس النيران في افران النازية، اخالهم ذاقوها وطبقوها، والاجدر بهم ان يكرهوها ويمنعوها في عصور العولمة.
عاد السيف الى غمده يقطر دما، نقاط منه سقطت على تربة القطاع تسجل للتاريخ عدد الشهداء القتلى وتصنع مسربا دليلا يقود الى المجرمين بأياد ملطخة تعجز الايام عن تنظيفها.
من ابواب غزة المحطمة والملقاة هنا وهناك من هول العاصفة الهوجاء لجيش البطش، اصبحت غزة مكشوفة الجسد وقد تخلت عن خصوصياتها على مرأى من العالم الذي غاب عنه الضمير وهي تنتهك امام عيونه، سبق النور غيره في الولوج ليرى المدينة وقد لبست الاسلاب ولون الحداد رمى بنفسه خدوشا كتم عليها السواد، نقاط من دماء كثيفة، جفت على حجارة الردم، سراويل ممزقة يابسة تشخشخ من خليط الدماء مع التراب لتصنع هذا الالتحام في غياب الانسان، ليعتبر من لا يحسن الاعتبار بانه لا يمكن التفريق بين الانسان ودمائه وترابه فهو ملتحم به في غزة ولا يمكن الفصل يا مدمني المجازر العربية ودمائها وتجعلون الامر على ذراعه في مجازركم.
ذباب ازرق يزن ويدن فوق الجثث التي تسحب من تحت الردم بعد اسابيع من الاستشهاد وروائحها تنبعث قوية الى السماء تعاتبها لتخليها عن رحمتها. حين تذهب بخيالك وتسترجع هذه المشاهد للاطفال رغم ما بها تحضنها الامهات وتنحب ونساء سوالق تلطم الوجه جزعا، يتحرك ضمير الحجر لعل ضمير العالم يمتثل.
هذه هي غزة المجؤوثة التي كشف عنها الغطاء صباح اليوم الاول، اخذت تتحسس وتتفقد هيكلها بدقة متناهية، لتجد انها قد فقدت اطرافها، بحثت عن البيت فوجدته قد خفى واصبح كومة من الردم، ومن تحته الاطفال لم ينتشلوا بعد، صعقت ونادت الضمائر لتستفيق لنشلها من غرق الدماء وشراسة الخطوب.
غزة التي لم تكن تملك الوقت لتنفيذ طقوس الدفن لشهدائها، تعود اليوم تسترجع ذكريات ايام ما زال صخرها يضغط الصدور، فتبكي البيوت المهدمة والاطلال، والبيوت تبكي الاهل الذين حاق بهم الفقر، عائلات تنتشل الذكريات من تحت الانقاض لتودعها بنحيب هادئ، ذهول وغضب سيتفجر يوما. تغيرت الملامح كلها فمن كان يعرف غزة ويفرح بلقاها اصبح اليوم يبكيها والمآذن قد هوت ودثرت، مشاهد الليل تشابه مشاهد النهار. نعم لم يبق لمن بقي حيا وما زال يتنفس هواء غزة الا ان يعود الى ركام بيته يبحث عن اغطية عن البسة او أي حاجيات اخرى ربما تسعفه الايام القادمة بحلول. الرياح تسهك التراب وتنثره على الاجساد والعيون الدامعة لترسم على صفحة الوجه عمق المأساة. ضمائر استلت بقوة الشعوب الثائرة من انفس القادة وجعلتها تلتقي في قمم عربية ليست بمتكاملة لتقدم ولو قطرة من بحر.
ما اكثر بكاء الاطفال في العالم!! لكن بكاء الطفل في غزة اليوم هو من نوع آخر. له خصوصيته وقيمته وتأثيره وهو الذي يعرف ان الوضع صعب، وانه يعي خصوبة تربته ليكبر ويذلل كل هذه الصعاب، كان الطقس غائما ماطرا وعاصفا ولم ير نور الشمس لمدة طويلة وعيناه شاخصتان الى السماء ينتظر شروق الشمس، يبكي احيانا عندما يشعر ببعد الامل. لكنه في نهاية المطاف يجلس يرقب حوله ويعرف ان غزة ستلبس لباسا ربما اجمل ويعرف انه مزمن، هنا حين يرى الاعلام الفلسطينية ترفرف فوق كل بيت مهدم ويرفرف على انقاض بيوت كانت قائمة وخيام تنصب على الانقاض لتحل مكان البيوت، بتحد لم يسبقه مثيل لهذا الزمان الرديء الذي جار على الضحية لغياب العدل العالمي وسيطرة رأس المال الذي اصبح في هذه الايام الاسد في غابة الدنيا الموحشة، يبتسم لابتسامة علم دولته ويجلس مطمئنا باسما لأنه متأكد ان الشمس ستشرق ثانية في يوم من الايام. فلا يضيع حق من ورائه مطالب، فالحق واحد وما اكثر المطالبين.
أغمد السيف عن الرقاب، فتحت الشوارع، فك الحجز والحبس في المنازل، سمح بالتجول، والوقت وقت تفقد الذات، وما من ذات بقيت على ما هي الا وقد خسرت شيئا والوقت وقت استلال الضمائر امام السيوف المغمدة، وذوو القربى اولى بان يستفيقوا بضمائرهم لمساعدة المنكوبين في غزة العزة!!
