رؤوبن كامينر

single

احتفلنا، هذا الأسبوع، بعيد الميلاد الثمانين لرفيقنا رؤوبين كامينر. ورؤبين كامينر هو من أولئك الذين تشعر في حضرتهم، بأن هنالك سببًا وجيهًا للاعتزاز بأنك جزء من الجنس البشري، بالرغم من الموبقات التي سببها جزء من هذا العِرق، على مر العصور: من القتل والنهب والاستغلال والاحتلال والكراهية والتعصب؛ من الأنانية والجشع ومن عدد لا ينتهي من الرذائل، الأمر الذي يجعلك تتساءل، من حين لآخر، فيما إذا كنت تريد، أصلاً، أن تكون جزءًا منه.

ومع الأيام، وهذه طبيعة الحياة الرهيبة، يعتاد الناس، حتى الثوريين منهم، على رذائل العالم، فيصبح حتى الظلم جزءًا "طبيعيًا" من ديكور الحياة. أما رؤوبين كامينر فلا. وفي سن الثمانين، وأنا أراه يناقش بحرقة وبحرارة وبغضب، وكأنه اكتشف للتو أن هنالك ظلمًا في هذا العالم، أتساءل في نفسي عن كنه القوى النفسية التي لا تنضب التي يحملها هذا الرجل؟

إنها البراءة الجميلة. هذه البراءة التي ترفض أن يخدشها مرور الزمن وترفض الاستكانة للعادة. ولعل هذه البراءة هي وقوده الروحي للنضال من أجل عالم أفضل. وهذه البراءة التي قد يعتبرها بعض "الشاطرين"، ميزة تناسب الشباب فقط، وبأنها نوع من السذاجة، هنالك حاجة للقول لهم إن العالم تغير فقط بفضل حاملي هذه القيم، التي بدت ساذجة في عالم الغاب الذي عاشوا فيه. بفضل "سذاجة" مارتن لوثر كينغ وحلمه "الساذج" بمساواة السود، يبدو العالم اليوم إنسانيًا أكثر، حين بدأ السود والديمقراطيون البيض رحلتهم المظفرة نحو المساواة.

أعظم دعاة التغيير في العالم، بدت دعوتهم في البدء ضربًا من السذاجة، في مواجهة عالم بدا أبديًا غير قابل للزوال. وفي حينه عندما قال المحقق القيصري للرفيق فلاديمير إيليتش لينين، مهددًا وربما "ناصحًا"، بأنه يواجه حائطاً سميكًا، أجابه الأخير بأن دفعة واحدة تجعل هذا الحائط يتداعى. وهذا ما سيحدث في منطقتنا في نهاية الأمر،  وإن بدا الأمر اليوم، ضربًا من المستحيل. ستنهار جدران العنصرية بمعاول المناضلين، الذين حتى وإن ملّ الملل فإنهم لا يملون ولا يكلون.

وفي الأمسية الجملية التي احتفلنا بها لإحياء عيد ميلاده الثمانين، في المسرح العربي العبري في يافا، (وربما هذا المكان، ومن حيث اسمه أيضًا، هو تجسيد للمثل التي يؤمن بها رؤوبن كامينر) التقينا العرب واليهود، للاحتفاء بمسيرة نضاله.

وعلى خلاف ما اعتدنا عليه، فقد احتفلنا بميلاده، في يوم دراسي عن النضال الطبقي في البلاد والعالم، عن حق الرفض في قمع الشعب الفلسطيني، وعن كثير من القضايا التي تواجه اليسار.. هكذا احتفلنا بيوم ميلاد إنسان نذر نفسه للنضال.

في عيد ميلادك الثمانين، حيث تلتف حولك عائلتك البيولوجية والفكرية، لا يمكن لنا إلا أن نشعر بالاعتزاز، رفيق رؤوبن، بأن مُثلنا منتصرة حتمًا؛ بأن نضالنا أجمل وأقوى بوجود هذه العائلة الجميلة حولك وحولنا. شعبا هذه البلاد بحاجة إلى المزيد والمزيد من الكامينريين؛ نحن بحاجة إلى المزيد من كامينر الجد، رؤوبن، مناضلاً عنيدًا ضد كل أشكال الظلم في العالم؛ نحن بحاجة إلى المزيد من كامينر الابن، نوعام، بطل من أبطال "تعايش" في المعركة ضد الجدار اللعين؛ نحن بحاجة إلى المزيد من كامينر الحفيد، متان، بطل رفض الخدمة في جيش الاحتلال.

هذه الحمولة الكامنيرية ستكبر لأنها تمثل مستقبلا إنسانيًا أكثر لشعبي البلاد. وفي هذا اليوم، ومرة في الثمانين سنة على الأقل، مسموح لنا أن نربت على الأكتاف قليلاً، مع أننا لسنا معتادين على ذلك، لنشيد بنضاله وتاريخه العريق. فهذا الشخص الذي اسمه رؤوبن، الشاهق كجبل والمشرق كشمس جسور، هو تجسيد لحركتنا العنود، الجميلة والمنتصرة .

قد يهمّكم أيضا..
featured

يوم الأرض خلاصة همومنا وآمالنا

featured

العائلية الوطنية

featured

راية المقاومة مرفوعة، ولن تسقط حتى يسقط الاحتلال

featured

أفغنة الأزمة السورية.. النصرة وداعش بدلا من طالبان والقاعدة

featured

الصورة التي رقصت على أنغام الحطة والعقال

featured

عودة الروح للشعب