الصورة التي رقصت على أنغام الحطة والعقال

single

أثناء لقائي مع الشاعر أحمد فؤاد نجم ذكر أمامي مثلًا شعبيًا يلخص الحالة المصرية الرديئة التي وصل اليها المواطن المصري في وطنه أثناء حكم مبارك، لا أمن ولا أمان وفقر وطبقية وغربة أمام غول الغلاء وفساد الاستثمار والعشوائيات والبطالة.
 المثل الذي ردده احمد فؤاد نجم (بلدك اللي انتي غريب فيها الأرنب يوكل ولدك).. هذا المثل قفز أمامي وأخذ يرقص على ايقاع القبلات والضحكات والحطات والعُقل التي ارتمت بين أحضان نتنياهو مزهوة بالابتسامات التي قدمها لهم، ملفوفة بعبارات التملص التي ترتدي حروف الاعتذار، وتحول نتنياهو أمامهم الى تلميذ في روضة أو في صف ابتدائي وليس رئيس حكومة خطب أمام الناس وأجج النيران.. الحقوا.. أركضوا العرب.. العرب..
كانت الابتسامات والقبلات المحمصة على نار الحب المصلحجي والود الليكودي.
في أجواء العنصرية التي تنتشر في المجتمع الاسرائيلي كالنار في الهشيم، في أجواء التحريض الذي وصل الى درجة التهديد بالطرد والملاحقة، لم يبق أرنب عنصري الا وأخذ يهدد ويصرح ويرفع شعار(الموت للعرب) حتى أصبحنا غرباء عن وطننا.
 كل يوم يتصبح المواطن العربي في هذه البلاد بتقليعة وموضة جديدة يخيطها المجتمع العنصري ضد المواطنين العرب، يفتخر بلبسه هذا الزي في كل مكان، ولا نجد من يحاول تمزيق التقليعة، ويمنع أكل أولادنا الأرانب الصغار.
في أجواء القلق ورفع الشعارات التي تضخ يوميًا دمًا ورفضًا لوجودنا، في اجواء التطاول علينا حتى تحولنا الى أيتام على موائد اللئام، في هذه الخلطة العنصرية وعجينة الرفض التي يلصقونها على أبواب بيوتنا كي نصاب بالتذمر والخوف ونهرب، هناك من يبيع الوهم ويحاول اخراج الدبس من... النمس، أو يطلبون الطيب من خشب الصفنجع، وها هو نتنياهو يبيع لهم العبارات.. وقد حملوها وخرجوا بها الى الشارع.. ولم يعرفوا أن كل مواطن عربي في بيته " سدة " مليانة من هذه الاعتذارات والعبارات الملساء التي تقول (اسمع كلامك اصدقك، أشوف عمايلك أتعجب).. لقد تحدثوا عن نتنياهو كأننا لم نعرفه!
اذا غنى عبد الحليم حافظ أغنيته الشهيرة "صورة" التي تمجد الشعب المصري الذي أراد الشاعر "صلاح جاهين" أن يلتقطها للمواطنين المصريين الذين يعملون وينجزون ويرفعون قيمة الوطن في سنوات الستينات، فان الصورة التي أراد الوفد العربي الذي زار نتنياهو في وكره، كي يباركوا له بالإنجاز العظيم وفوزه الساحق في الانتخابات، يجب أن تكون مميزة ومعبرة عن الولاء والحب الشديد لشخصه، أرادوا صورة خاصة حتى يعرف كل مواطن عربي والقاصي والداني، كيف تم التصالح والغزل بينهم وبين نتنياهو، وكيف تمددت خيوط الرقة حتى تحول نتنياهو الى طفل عربي بريء يلعب بزقاق او حارة في قرية عربية، أو صبي فقد والديه ويأمل أن يجد له والدًا من بين هؤلاء النشامى الذين جاءوا لكي يمنحوه بركاتهم العربية.
الصورة التي نقلتها وسائل الاعلام تحمل الوجوه العربية الأصيلة التي تعرف الواجب والأصول وترتدي الزي العربي حتى تحولت الحطات والعُقل الى ساحة للهُزء والتساؤل عن معنى وقيمة هذا اللباس أمام الخنوع والذل.
جاء الوفد العربي الليكودي للتهنئة بالفوز لرجل نعرف حقيقته جيدًا، ومن فمه نُدينه، نعرفه من خطاباته وتصريحاته وتشجيع كل من يريد افراز حقده على السجادة العربية.
هذا الوفد الذي ذهب لتهنئة نتنياهو لم يرتق الى لحظة يفكر فيها جيدًا بمشاعر شعبه، كانوا خارج الزمن الذي يجبرهم على الالتفات الى التاريخ، شعبنا شبع من رؤية مثل هذه الصور، وتاريخه مشحون بمثل هذه الوجوه التي كانت تسبح ضد التيار أو تسير في الاتجاه المعاكس ولكن مصيرها في النهاية كان معروفًا، حتى أنهم ذهبوا مع الرياح وكل قرية ومدينة عربية كانت شاهدة عليهم وعلى ولائهم والعزومات والتضييفات وذبح العجول والخراف، ولكن في النهاية كانت النتيجة صفرًا.
 الاجيال سجلت في ذاكرتها مثل هذه اللقطات وهذا الوفد الضاحك مصيره مثل غيره، بعضهم اكتفى باللوم والعتب.. أما الذين يعرفون أن التاريخ غدًا لن يغفر لهم، فقد أكدوا أن الذين لعبوا خارج فريقهم.. فقد لعبوا في ملاعب سرعان ما انقلب عشبها وتحول الى مقابر فتحت حفرها ودفنوا بعيدًا عن مواطنيهم.
الوفد العربي تغزل بنتياهو - أسمعوه كلام زين.. فأسمعهم كلام زين – وهناك من افتخر ووصل غزله الى نشوة الانتصار، كما قال رئيس مجلس احدى القرى العربية الذي شارك مع الوفد والذي افتخر أنه اعطى حوالي 500 صوت لحزب الليكود، واعتبر نتنياهو البطل المنقذ.. لو ينظر رئيس مجلس هذه القرية حول بلدته جيدًا، ويرى مسطحها المخنوق المقيد بالبلدات اليهودية المجاورة، لو ينظر الى اكتظاظ السكان في بلدته حتى يخيل أن الجار يسمع صوت جاره وهو يتكلم مع زوجته، لو شعر في غياب مقومات الحياة الحضارية الانسانية عن بلدته التي هي مجرد غيتو عربي، لما افتخر بالتصويت لحزب الليكود وقام بتقبيل نتنياهو..
هذا الوفد الذي رقص على انغام عبارات نتنياهو.. خارج عن قاعدة وجودنا المتجذر في الأرض.. خارج عن السرب الذي ما زال يحافظ على البقية الباقية من الكرامة والكبرياء والصمود بوجه من يحاول قلعه.
قديمًا كان الذي يشعر أن شرفه قد أهين يخلع عقاله ويرميه.. ويبقى طوال حياته بلا عقال.. ويعرف الجميع أن هذا الرجل قد اهين شرفه، وهؤلاء الذين قبلوا وصافحوا وابتسموا وتصوروا وانتشرت صورهم على الملأ، هل سيرمون -عُقلهم - عندما يرجع نتنياهو الى التحريض ضد العرب.. لا أمان لهذا الرجل..
قد يهمّكم أيضا..
featured

تونس ومصر تتصديان للارهاب

featured

مبروك للشعب وطبقته العاملة

featured

حديث الذاكرة (2): (إلى الرفيق أسـد)

featured

تنتظر مولوداً.......

featured

منذ الأول من أيار وأثينا تتحوّل لشعلة نار

featured

ألمدلولات السياسية لمعاهدة "سالت 3" الاستراتيجية الروسية- الامريكية!

featured

عن الثورات العربية في وقتها الحقيقي