ما بعد حيفا

single

حيفا - فاشيو اسرائيل في لحظة انفلات بهيمي


سمّاها أحد الرفاق بـحالة "اضطراب ما بعد الصدمة". صَدَق. ما حصل في حيفا في المظاهرة اليهودية العربية ضد العدوان على غزة، هو نقطة تحوّل كبيرة في الخارطة السياسية وفي الخارطة النضالية في البلاد، تركت غالبية من بقي حتى نهاية المظاهرة في حالة اضطراب ما بعد الصدمة. أذكر أني بقيت أيامًا عدة في حالة ذهول من الكمّ الهائل من العنصرية والكراهية والقرف الذي صدر عن "المتظاهرين" من اليمين. لم أخفْ من احتمال التعرّض لاعتداء جسدي، بقدر ما أرعبتني نظرات القتل والتعطّش للدم في عيون الفاشيين؛ كل ما شغلني خلال محاولتنا الافتكاك منهم، هو أني أود العودة سالمة لبيتي كي لا أضطر لقول الحقيقة لابني عمّا قد آذى أمه.
في غزّة، يُقتل إنسان كل 23 دقيقة. أخجلُ التحدث عن "صدمة من تصرفات الفاشيين" في ظل بشاعة العدوان وقتل الأطفال. منذ تلك المظاهرة وأنا أفكر فيهم وفينا. دائمًا ما كنت أشعر بأني أعيش واقعًا مُتعدّد الأبعاد في نفس الآن، حيث أعيش الأحواز المُختلفة على مستويات عدة من الألفة والغربة. أُمارس علاقات ألفة وغربة مع المكان الذي هو لنا ومنّا؛ فأنا والطرف الآخر لا نتكلم بنفس اللغة، وباللغة لا أعني العربية أو العبرية، إنما نحن لا نتحدث نفس لغة التواصل والوجود السياسي والمدني. اليوم، مع تغيّر احتياجاتي كإنسان أصبح أمًا، أجد حتى الذهاب إلى ملاعب وحدائق عامة أمرًا اضطر على القيام به لافتقاد المناطق العربية في حيفا إلى هذه المرافق، لا أريد لأطفالي أن يربوا مع شعور بالغربة في مدينتهم وفي وطنهم. بعد تلك المظاهرة، لم يخطر ببالي بتاتًا الذهاب لحدائق عامة نكون فيها أقلية وفي نفس مركز الكرمل، مثلًا، الذي دوى صدى هتافات "الموت للعرب" فيه قبل قرابة الشهر فقط دون استنكارات رسمية، أو إلى شاطئ البحر الذي لوحق فيه الباص في نفس الليلة من قبل الفاشيين.
إن التجسيد اليومي لنفس العقلية الفاشية التي خرجت ضد مظاهرتنا السلمية، هي نفس العقلية المُوجّهة – نفس السياسة المُشرّعة  لإبادة الشعب الفلسطيني. فإن مشاهد القتل اليومي الوحشي هي عامل أساسي في الانزلاق إلى حالة الصدمة وحالة العجز أمام فظاعة جرائم الدولة المُجرمة. أبدأ بالتوجّس ممن حولي، في الشارع أو الأماكن المكتظة أُمسك بيد طفلي كي لا يُخطف (!)؛ بدأت أشعر بأن فاشيتهم توقع بي فعلًا، وتتسلّط على شعوري بالأمان. ماذا لو كان أحد الفاشيين في مظاهرة الكرمل هو ممن يوفّرون خدمات الزبائن في إحدى شركات الهواتف النقالة أو الإنترنت أو أي شركة أخرى، كيف سأتعرّف عليه؟ أو يعمل في حانوت قد أدخله لشراء بعض الحاجات، كيف سأعرف إن كان إنسانًا عاديًا أم فردًا همجيًا؟ ما هو هذا القناع المتستر هو خلفه؟ هل عدائيته الهمجية هذه هي حالة استثنائية من وجوده وكيانه صدرت عنه بفعل الحشد الفاشي، أم هو مستعد للتعامل بنفس الطريقة مع العرب دائمًا وأينما كان؟ أي أم أرضعتهم هذه الكراهية؟ أي تربية تلك التي زرعت فيهم هذه الفوقية الوجودية؟ كلا، لا يُعقل أن هؤلاء بشر. لا يُعقل أنهم لا يكترثون. لا يُعقل أننا نُنادي بالحياة المشتركة مع أمثالهم.
بالرغم من علاقات الألفة والغربة، أقنع نفسي أن ارتياد الأماكن العامة يُصبح فعلًا مقاومًا لشعور الغربة عن المكان وعن الحيز العام، وهو فعل تربوي لأطفالي أن الدنيا كلها ملكهم ليستمتعوا بها ويحافظوا عليها وعلى من فيها. إنها حالة "ما بعد صدمة غزة في حيفا"، حالة نسمح فيها لأنفسنا بأخذ خطوة للوراء، خطوة هي فرصة للتأمل والتفكير والاستنتاج، نتمكّن من خلالها تقييم الواقع وملاءمة سبل النضال فيه للمتغيّرات الراهنة، حيث نوضع أمام خيارين، إما الوقوع فريسة للعنصرية والكراهية والانعزال وانغلاق الأفق، وإما إعادة إشغال الحيز العام، بكل الطرق وعلى اتساعها، والإصرار على ملكيتنا له أو على الأقل على شراكتنا في ملكيته. حالة نواصل البحث المتجدد فيها عن المعادلة التي تضمن استمرارية الوجود لجميع من يرغب بالبقاء هنا بقوانين جديدة للعبة الوجود.

قد يهمّكم أيضا..
featured

نتنياهو قوي.. الخطر أقوى!

featured

العنف... والعنف المجتمعي والمسؤوليّات...

featured

العملاء حائرون، يتذمرون...!!

featured

عن التكاثر، و"إسراطين"، ومقامرة الديموغرافيا والجغرافيا

featured

غطاء جوي اسرائيلي للتكفيريين؟!

featured

أميركا تقتل أبناءها