لا يمكن لإسرائيل تجاهل روسيا بوتين
قبل ست سنوات ونصف، في نيسان 2004، عُقد لقاء بين رئيس الولايات المتحدة بوش ورئيس الحكومة شارون، تم الاتفاق فيه على خطة الانفصال، بما في ذلك الرسائل التي تصحبها. بعد ذلك بأسبوع أرسل عدد من المبعوثين الإسرائيليين، بمن فيهم أنا، لعرض الخطة على عدد من العواصم المهمة. سافرت الى موسكو. عندما التقيت وزير الخارجية الروسي لافروف سألني: "لماذا أتيت بالضبط؟ فخطة الانفصال قد تم الاتفاق عليها ونشرت وليس عندك شيء تجدده لي. لكن عندي سؤالاً لك: كيف لم تفكروا في مشاورتنا نحن الروس، قبل أن تتخذوا قرارًا مهمًا جدًا؟".
يعبر قول وزير الخارجية الروسي هذا تعبيرا جيدا عن صورة رد روسيا عندما تفضل الولايات المتحدة وإسرائيل إبعادها عن قرارات مهمة. إن من يبحث عن المقصد الروسي من وراء صفقة الصواريخ الأخيرة مع سورية، كما في شأن قرارات أخرى (استعمال المفاعل الإيراني في بوشهر)، يجب أن يفهم أن روسيا تعمل في الأساس بثلاثة بواعث:
1. ترى روسيا بوتين نفسها قوة عظمى، يجب أن تساوي الولايات المتحدة في تأثيرها. فإذا كانت الولايات المتحدة تبيع دول الشرق الأوسط السلاح (60 مليار دولار للسعودية وحدها)، فيجب على روسيا أن تفعل ذلك.
2. يوجد اتفاق غير مكتوب بين السلطة في روسيا والشعب الروسي، فحواه أن تهتم السلطة بالنمو الاقتصادي وأن يضمن الشعب أن تخلد السلطة (بوتين والمقربون منه والنهج الذي سنه). وكي يحدث هذا يجب أن تستغل روسيا مزيتيها: احتياطي النفط والغاز داخلها وقدرتها على التزويد بسلاح متقدم. وإن زيادة المزايا الاقتصادية التي يستطيع هذان التزويد بها الى أبعد حد يقتضي سياسة عنيفة.
3. أن روسيا لا تستطيع التسليم بأعمال مضادة لها من جهة واحدة (هكذا فسرت في حينه نصب الصواريخ الأميركية في بولندا وجمهورية التشيك وسياسة بوش وأوباما بدعمهما جورجيا) ولا تستطيع كذلك أن تسلم لتجاهلها. إن النشاط الأميركي في الشرق الأوسط، بدءًا بالمسار الإسرائيلي ـ الفلسطيني ثم المسار السوري، مع إشراك لاعبين آخرين (فرنسا ومصر وغيرهما) وتجاهل روسيا أمر لا يطاق. إذا تجاهلوا روسيا فإنها تهتم بأن تذكر بأن عندها القدرة على التأثير. وهذه المرة ببيع سورية صواريخ متقدمة رغم أنف الولايات المتحدة وإسرائيل.
لا يمكن التجسير على كل تضاربات المصالح بين إسرائيل وروسيا، لكن سيكون من الخطأ أبدا تجاهل روسيا على نحو متعمد مهين. كان وضع برنامج إيران النووي يمكن أن يكون مختلفًا لو وافقت الولايات المتحدة في سنة 2004 على الإصغاء لأفكار الروس بدل رفضها باحتقار. وأخطأت إسرائيل أيضا في ذلك الوقت بأنها لم تحاول أن تؤثر في الولايات المتحدة كي تعطي الروس الاحترام المناسب.
والآن ما زلنا كما كنا نغضب الروس بلا سبب. يريد الروس أن يكونوا مشاركين في التفاوض الإسرائيلي ـ الفلسطيني، ونرد على ذلك بعدوانية. في حينه، بعد أنابوليس، اقترحوا عقد اللقاء القادم في موسكو وعارضت إسرائيل ذلك بشدة. قبل عدة أشهر أعلن رئيس روسيا مدفيديف بأن من الصحيح إشراك "حماس" في المسيرة السلمية أيضا. سارعت إسرائيل الى إعلان أنها لن توافق في أية حال. لماذا؟ لماذا لم نقل: "نحن نبارك روسيا لجهودها في إقناع "حماس" بالتخلي عن طريق الإرهاب واختيار حل سياسي للصراع؟".
باختصار إن توجهًا يقوم على تقديم الاحترام وعلى الاستعداد للإصغاء والمشاورة قبل إجراءات مهمة لا يقتضي الهوادة في أي مصلحة مهمة. لكنه يضائل حافز دولة مثل روسيا إلى تجاهل مصالحنا. إن ما يستطيع أن يسكننا قليلا هو الزمن الطويل الذي يمر على نحو عام بين القرار الروسي بيع السلاح المتقدم وبين تحقيقه. هذا الزمن يمكن الروس ومن يريد التأثير فيهم أيضا من فرصة للقيام بـ "إعادة تققيم". نأمل أن يكون الأمر كذلك هذه المرة أيضا.
* رئيس "مجلس الأمن القومي" الإسرائيلي السابق ("يديعوت أحرونوت")
