لم يحصل الفلسطيني على شرعية وجوده من الإسرائيليين، ولم ينتزع حقوقه منهم بعد، ولكن إنحياز أي إسرائيلي عاقل للقضية الفلسطينية أو لأي عنوان فلسطيني، يؤكد على عدالة هذه القضية التي يناضل الشعب الفلسطيني من أجلها منذ عقود طويلة، وأنها حينما تجد تفهماً من قبل بعض الإسرائيليين لعدالتها فهذا يدلل أيضاً على مدى مصداقيتها، وكلما ازداد تأثير الفلسطينيين واختراقهم للمجتمع الإسرائيلي وزاد من نفوذهم فيه وكسبوا انحيازات إضافية إسرائيلية لجانب مطالبهم وتطلعاتهم، كلما اختزلوا عوامل الزمن في تحقيق الإنتصار على عدوهم، واختصروا على أنفسهم الوجع والعذاب، ووفروا لأنفسهم وللإسرائيلين سواء بسواء فرص التعايش والشراكة والحياة الآمنة.
يمتلك الفلسطينيون العدالة، ولذلك كانت كل قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية لصالحهم، حيث أكدت العديد من قرارات مجلس الأمن على حقوقهم، بدءاً من قرار التقسيم 181 وقرار حق عودة اللاجئين 194 وقرار الإنسحاب 242 وقرار الدولتين 1397 وقرار خارطة الطريق 1515، ولهذا السبب الجوهري رفضت إسرائيل الإلتزام بأي من هذه القرارات ورفضتها كمرجعية لمعالجة الصراع بينها وبين الفلسطينيين.
وتمتلك إسرائيل القوة والنفوذ والتفوق، وتعتمد على هذه العوامل لإقرار وتنفيذ برنامجها الإستعماري التوسعي على أرض الفلسطينيين، واستكمال هدر حقوقهم والمس بكرامتهم.
ولأن الفلسطينيين يملكون العدالة، ويفتقدون للتفوق والقوة، فهم بحاجة إلى المزيد من الأصدقاء والداعمين لإقرار حقوقهم والعمل على استعادتها. ولا يوجد أهم من إنحياز إسرائيليين لعدالة حقوق الفلسطينيين وشرعية نضالهم، ذلك لأن مثل هذا الإنحياز للمطالب الفلسطينية يشكل مكسباً مهماً للشعب الفلسطيني وعدالة قضيته، ويشكل عنواناً فاضحاً للدوافع الإسرائيلية وزيف ذرائعها، ويضيف قوة مادية ومعنوية إلى نضال الفلسطينيين من قلب قوة عدوهم المتفوق.
ولذلك فعل خيراً حاتم عبد القادر مستشار رئيس الوزراء سلام فياض لشؤون القدس، حينما أشرك البروفيسور مئير بن دوف عالم الآثار الإسرائيلي في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده في القدس يوم الأحد 12/4/2009 لفضح عملية إقتلاع أحد الحجارة الأثرية من المحيط الخارجي للمسجد الأقصى المبارك ونقله إلى الساحة الأمامية لمبنى الكنيست الإسرائيلي ( البرلمان ).
وأعلن عبد القادر عن الشروع بإجراءات قانونية لاستعادة الحجر الذي يزيد وزنه عن ثلاثة أطنان، واعتبر أنه تعرض للسرقة من موقعه، وقال أن الفلسطينيين لن يتخلوا عن هذا الأثر التاريخي باعتباره أحد مكونات الهوية العربية الإسلامية لمدينة القدس.
ومن جهته أدان عالم الآثار الإسرائيلي مئير بن دوف، عملية الإستيلاء على الحجر ونقله إلى باحة الكنيست، واصفاً ما جرى على أنه عمل جنوني، وقال لا يجوز نقل هذا الحجر من مكانه ولا بد أن يبقى في موقعه، وهو عمل مخالف لقوانين اليونسكو التي صنفت المكان على أنه جزء من التراث العالمي لا يجوز التصرف أو المس به.
وأضاف بن دوف وهو مكتشف الحجر في مطلع السبعينيات، أن إسرائيل تعلم أن الحجر اقتلع من مكان أثري قديم، وأنه من الآثار الإسلامية في تلك المنطقة، وأنه لا يجوز نقل الحجر من موضعه إلى مكان يحمل مضامين وأبعاداً سياسية مثل باحة الكنيست.
وانتقد عالم الآثار الإسرائيلي منظمة اليونسكو وأكد أنها لا تتعامل بمهنية وعلمية فيما يتعلق بالآثار العربية والإسلامية في محيط المسجد الأقصى المبارك، وقال أنها تتعامل ضمن معايير سياسية، حيث لم تقم بواجبها بكف يد إسرائيل عن العبث بالكنوز التاريخية للمدينة المقدسة، وكشف بن دوف أن المؤسسة الرسمية الإسرائيلية استطاعت اختراق اليونسكو التي كانت تميل للموقف الفلسطيني، أما اليوم فهي تعمل في السياسة لصالح إسرائيل وتصمت على خروقاتها.
وعليه يمكننا السؤال هل هناك أوضح من هذه الإدانة من قبل عالم آثار إسرائيلي مرموق للحكومة الإسرائيلية؟ وهل ثمة إنحياز شجاع أوضح من إنحياز هذا الإسرائيلي للفلسطينيين ولتراثهم العربي والإسلامي؟ وهل توفرت لدينا شخصية عربية، ومن موقع مهني، توجه نقدها لليونسكو أكثر من هذا العالم الإسرائيلي؟
مثلما أن العنصرية والعداء ينتشران بقوة في المجتمع الإسرائيلي ثمة أصوات واتجاهات إنسانية وديمقراطية في ذلك المجتمع، وهو وضع لا يختلف عن المجتمعات البشرية التي تحوي الصالح مع الطالح، المفيد مع المؤذي، ولهذا السبب على الفلسطينيين أنفسهم أن يغوصوا في رحم ومسامات المجتمع الإسرائيلي لتطويقه وتعرية توجهاته العنصرية الإستعمارية، ومن ثم التعاون والبحث عن الشراكة مع التوجهات الإنسانية والديمقراطية فيه وهي متوفرة وموجودة ومتنامية في المجتمع الإسرائيلي، وعلى الفلسطينيين أن يستفيدوا من حضور أشقاء لهم في الكنيست من النواب العرب ومن شخصيات مهنية رفيعة المستوى في الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني.
أمثال مئير بن دوف تعد بمثابة أسلحة معنوية وأدبية وأخلاقية بيد الشعب الفلسطيني وحركته السياسية، وهي ذخر كبير لعدالة قضيتهم المشروعة، كما أنها روافع مهمة لإسناد نضالهم وإقرار حقوقهم واستعادتها، ولهذا نتوقف أمام ما فعله حاتم عبد القادر لعله يكون نموذجاً متواصلاً في تعرية السلوك العدواني الإستعماري الإسرائيلي ونبذه على الطريق الموصول إلى هزيمته.
