* الجنون السياسي الذي "يركب" إسرائيل حاليًا خطير فعلا، ولكن من غير المؤكد أنه أكثر خطرًا من نظام اسرائيلي سابق كان يديره دهاة وثعالب ينفذون مخططاتهم بأعصاب باردة *
وصل الجنون السياسي في الحكومة الاسرائيلية وائتلافها البرلماني درجات تفوق 7- ريختر لقياس الهزات الأرضية (إقرأوا: الأخلاقية). صار من الصعب على المرء أن يتفاجأ من مستوى الكلام العنصري المتسارع "كجلمود صخر حطّه السيل من علِ" (وعذرًا من الشاعر على جرّ صورته الشعرية الى هذه البقعة الآسنة!). فاللؤم السياسيّ كان في السابق يتقنّع، يتجمّل، يحاول الحفاظ على هيئة سياسية ما. أما ما يجري الآن فهو فقدان لكافة الكوابح. العنصر المسمى بـ الحياء، تعرّض لعملية تطهير تام. فهناك زمرة برلمانيين لا يختلف تصريحهم السياسي عن الشتائم التي تطلقها زُمر زعران منفلتة في ملعب كرة قدم، أو صبية مدفوعين بغرائز مشتعلة، وهورمونات عالية، وطيش أعلى فأعلى.
مع ذلك، من الصعب القول إن هذه الحكومة أخطر من سابقاتها، لا لأنها ليست خطيرة، بل لأنه يجب استعادة جرائم سابقاتها لنضعها في سياقها. إشتداد الجنون السياسي لا يعني اشتداد الخطر حين نقارن الأمر بمن يفرضون مخططاتهم ببرود قاتل وهم يتبخترون كطواويس. تلك الحكومات القديمة كانت من الحنكة واللؤم السياسيين بحيث أنها مرّرت مشاريع في غاية الخطورة، لكنها دأبت على رزمِها بلغة سياسية ماكرة. في هذا المضمار يقع مشروع التهجير عام 1948. كانت خطط الدّرج جاهزة مسبقًا، وليس كما تكذب اسرائيل بأن الأمر كان نتيجة غير محسوبة ولا مخططة للحرب. فالتطهير العرقي كان سياسة وليس فعلا اضطراريًا؛ مشروع التهجير في الجليل الأعلى، مثلا، كان اسمه صريحًا: المكنسة!
وهناك مشروع التوسّع، متعدد الحلقات والممارسات، والذي لم يتوقف أصلا بل يرافق إسرائيل كظلّها منذ يوم مولدها. فليس أن حرب 1967 هي الشاهد الأكبر على هذا التوجه بل سبقته تحركات حربية أبرزها حرب 1956، أو العدوان الثلاثي على مصر الذي ضلعت فيها اسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا. في هذا السياق يُشار الى ما كشفه الصحفي ميرون ربابورت مؤخرًا (هآرتس، 9 تموز الجاري) عن إقامة مستوطنتين في شرم الشيخ، حينذاك، لغرض فرض وقائع ناجزة على الأرض ومنع أي انسحاب، بقرار من رئيس أركان الجيش موشيه ديان وبدعم كامل من رئيس الحكومة دافيد بن غوريون. هذه النقطة ترتبط مباشرة بالمشروع التالي: الاستيطان، الذي أضفى تعريفًا جديدًا للاحتلال الاسرائيلي فصار إحتلالا إحلاليًا، بمعنى السيطرة على الأرض من خلال إقصاء أهلها أو نفيهم وإحلال آخرين مكانهم. هذا المشروع يشكّل التجسيد الأدقّ لسياسة التوسع. وبالطبع، فجميع هذه المشاريع كانت ولا تزال بحاجة الى أداة الحرب، بكونها الوسيلة لتمرير تلك المشاريع الاجرامية.
يمكن القول إن الحكومات الاسرائيلية السابقة نجحت في الحفاظ على "برود أعصاب" حين كانت تنفذ مآربها. نجحت، ولو جزئيًا، في التحرك بين نقاط الدبلوماسية الدولية. ليس بسبب شدة دهائها، أساسًا، وإنما لأنها كانت تقدم خدمات هامة للمعسكر الغربي بزعامة الأمريكان في وجه ذلك الشرقي بقيادة السوفييت. دورها في بيع نفسها للغرب السياسي لم يتغير جوهريًا اليوم، ولكن هناك تغيرات في الخارطة الدولية. لربما أن قيمة المؤسسة الاسرائيلية تغيرت سلبًا. وكان هناك من حذر في المؤسسة العسكرية الاسرائيلية، مطلع هذا العقد، من أن قيمة اسرائيل الاستراتيجية بنظر واشنطن قد تتراجع. وعبّر عن الأمر، تحديدًا، في حينه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية. والسؤال الهام في هذا السياق هو: هل تعبّر الأزمات الصغيرة الراهنة بين واشنطن وتل أبيب عن هذا السيناريو، أم أنها تأتي ضمن إعادة ترتيب أوراق لنفس السياسة؟
لا شك في أن مشهد السياسيين الاسرائيليين اليوم يختلف تمامًا عن سنوات مضت. كان هناك جيل تضمن سياسيين دهاة آخرهم يتسحاق رابين وأرئيل شارون (وشمعون بيرس، الثعلب الأبدي الذي انتقل من افتراس الدجاج مباشرة الى موقع الثعلب الهرم الذي تأتيه الوجبات جاهزة). هذه الشخصيات كانت تحظى بثقة لدى الجمهور الاسرائيلي لأنها تعتبر من "بناة الدولة"، ولأنها شخصيات عسكرية تضفي شعورًا (وإن كان كاذبًا) بالأمان. هذه النقطة الأخيرة ترتبط بسياسة إنتاج الخوف وشيطنة العربي التي تجعل الجمهور يرمي نفسه مذعورًا في أيدي الحكّام والجنرالات، فيدوم حكم مملكة اسرائيل الحديثة..
سياسيو إسرائيل اليوم، خصوصًا الزاعقين الناعقين الناعبين النابحين الفاحّين منهم في البرلمان، وهم الأكثرية من حيث قوة الحضور، لا يثيرون احترامًا ملحوظًا بين الشرائح الإسرائيلية، رغم تميّزها عادة بأنها مستهلك جيّد، بل نهِم، لما تطعمه إياه الحكومات. والسبب كما يبدو هو أن الحالة الاسرائيلية برمّتها تميل الى التسطّح وكأن التضاريس كلها تنحدر وتستوي بسطح البحر (الميت طبعًا). وحين يصبح الجميع متوسطين بنفس القدر؛ القائد متوسط، الوزير متوسط، عضو الكنيست متوسط، الصحفي متوسط؛ وفي ازاء جمهور اسرائيلي مقتنع بمعظمه انه يفهم أكثر من الجميع، بل هو الأفهم الحصري وفي كل شيء، فإن مكانة السياسيين تنزاح للأسفل أكثر فأكثر.
هذا الجنون السياسي خطير فعلا، لكن من غير المؤكد أنه أكثر خطرًا من نظام اسرائيلي سابق كان يديره دهاة وثعالب. أصلا، على الرغم من الخطورة التي يشكلها ليبرمان، فهو ليس أكثر خطرًا من الجنرال إيهود براك مثلا، بل على العكس تمامًا.. يجب قراءة ما يختبئ خلف كثبان الزعيق!
