وما دام الحمارُ بالحمارِ يذكر.. فلا تلوموا من كان الحمار مثَله الأعلى في الصبر وقوة الاحتمال وهندسة الطرقات الجبلية و..الذكاء، لا تستغربوا! نعم الذكاء، يكفيه أن يسلك الطريق مرّة واحدة حتى يعرفها عن ظهر حافر. وهو في هذه الميزة يتفوّق على ابن آدم، الذي لا يتعلّم من أوّل مرّة. فنقول له زورًا وبهتانًا وظلمًا: يا حمار! لعب الحمار دورًا هامًّا في إنتاجات بعض الأدباء الفكهين (من الفكاهة والفاكهة) فكرّسوا له موقعًا عظيمًا في أدبهم.. ومنهم لله العبد، فكتبت متتالية قصصية تجرّأت على تسميتها رواية، وأنشأت له مدارًا، ربما كأهل الصين، فإذا كان للأسد وللثور وللجدي وللحوت أبراج، فلم لا يكون لهذا الحيوان المظلوم عند بني الإنسان مدار؟
وله من عناد الثور، وشيطنة الجدي، وجرأة الأسد! ألم تروه في كليلة ودمنة قديمًا، وفي الناشيونال جيوغرافي حديثًا، يهجم على الأسد من شدّة الفزع؟! كما أصابني بسنوات الثمانين من القرن الماضي (تصوّروا البعد الزمني: القرن الماضي)، حين اندفعت نحو العمل البلدي في مدينتي الحبيبة الناصرة من شدة خوفي عليها، والخوف أقل درجة من الفزع! وقد أوهمني الرئيس في حينه أنني مهم لهذه الدرجة، وأن الأمر لا يصلح إلا بأن أكون أحد نوّابه! بُعيد أن طمع الشيخ الذي سبقني في الدورة الأولى للجبهة، ومدّ يده نحو خُرج الرئاسة. ولم أكن أعلم في حينه أن مثل هذا العمل يستنزف القدرات! لكنني ومذّاك أعتقد أن طالب القضاء لا يولّى. الحق أقول انه ليس الغواني فقط يغرّهن الثناءُ...
لقد توهّمت في حينه أنني رجلٌ مهمٌ، وقد زادني المغفور له وزير "الدفاع!" يتسحاق رابين غرورًا، حين أصدر أمره بمنعي من دخول المناطق المحتلّة سبعة وستين إلا بتصريح.. وكان الدفاع عن السجناء السياسيين قوت يومي! فلا تصريح إلا بإثبات دعوى المحكمة العسكرية أو دعوة من أحد موكليّ، أقدمه إلى المخابرات، قسم الملفات الخاصة! فرافقني هذا خمس سنوات، مدة خدمتي في البلدية مسؤولًا عن قسم ترخيص المهن والصحة، أي بإدارة شؤون الحمير بياخور الدواب.. قبل المكننة التي ألغت شؤون الحمير والطُمبُر ومكنسة النّتش! ما علينا، خمس سنوات قضيتها كالقرد الذي عشق زرافة فتزوّجها، وقضى أيّامه مسايسًا، متسلّقًا وهادًا، نازلًا مهادا، حتى لعن السياسة والسياسيين المتناحرين بغيرما مبدأ. والله يلعن أبا الذي يعلّم ابنه رئيس بلدية، كما قالت عجوز المناطق المحتلّة إبّان محاولة اغتيال رؤساء بلديات وطنيين... ولله في خلقه شؤون!
ن نانأن نشتفيد
