1+1+1 =1

single

قرار المستشار القضائي للحكومة بتقديم النائب سعيد نفاع للقضاء يؤكد مجدداً نظرة هذه المؤسسة للجماهير العربية في الدولة. وقد سبق قرار تقديم النائب نفاع للمحكمة قرار آخر بتقديم النائب بركة وقبلهما الشيخ رائد صلاح.
يحق لنا أن نعتقد أن تزامن هذه القرارات لم يكن من باب الصدفة أو من باب ما أملته الوقائع والأحداث، بل هو انعكاس لفكر وموقف كان وما زال سائداً في عقول أصحاب القرار القائمين على المؤسسة القضائية بشقيها: النيابة العامة والمحاكم الإسرائيلية، خاصة المحكمة العليا.
أولى الرسائل الراشحة من هذه القرارات تعلمنا أننا وفي نظر هذه المؤسسة سواسية ولا فرق بين بركة ونفاع وصلاح. وكأني بلسان حالها يقول: فلتختلفوا كما تشاؤون لكنكم تبقون بعين القانون الإسرائيلي أهدافاً، ومهما تعددت ذرائع وخلفيات لوائح الاتهام كلها تؤدي إلى روما. ما يتيحه هامش ديمقراطية هذه الدولة لا يصح ملعباً لنشاطكم وما تمنحه قوانين الدولة من حريات أساسية مكفولة أنتم خارجها وغير جديرين بها. سلطة القانون بالنسبة لكم وما ومن تمثلونه هي سلطة وسلطان وأحزمة خانقة لا أحزمة آمان تكفل المساواة أسوةً بما يحظى به يهود هذه الدولة مهما قالوا وفعلوا.
هكذا كان واقع الحال منذ الإعلان عن الدولة وإخضاع الأقلية الفلسطينية لعبث الحكم العسكري لغاية عام 1966 وهكذا استمر هذا الواقع بعدما حُررنا من الحكم العسكري لنعيش مآسي احتلال عسكري، لم يمهلنا تنفس نسائم الحرية لأكثر من عام واحد فقط.
القضية هي استحالة تأمين سيادة القانون في دولة احتلال. فطيلة سني هذا الاحتلال القائم على قمع واضطهاد شعب آخر واغتصاب أرضه، اضطرت مؤسسات الدولة، لا سيما محاكمها المدنية وطبعاً العسكرية، للتراجع أمام سطوة المحتل ومصالحه وقد كان جلياً أن مع كل تراجع لهذه القيم، هناك في الأراضي المحتلة، تنهار مثيلاتها هنا في حدود الدولة وداخلها.
فعلى الرغم مما نظّر وأسس له أوائل القضائيين الإسرائيليين، لا سيما قضاة المحكمة العليا المتعاقبين، الذين أرادوا كما أعلنوا مراراً بناء مجتمع ليبرالي، ديمقراطي متحضر، كان واضحاً منذ أيام الحكم العسكري وما تلاه من احتلال عسكري، أن تأمين حلمهم بمثل هذا المجتمع هو من المستحيلات التي لن يقهرها علم ولن تتحايل عليها دراية.
لقد وقع هؤلاء بشرك ما نصبه لهم سياسيو الدولة المؤسسون ومن لحقهم من أبطال حرب الستة أيام ومن تلاهم، فطفقوا يشرعنون المحرمات ويلوكون قواعد القانون الدولي والإنساني بعيداً عن مفاهيم الحق والعدالة الاجتماعية والإنسانية وخدمة لواقع كان طبيعياً أن يحولهم إلى مستهدفَين، فبعد أن استقوت تلك القوى الاستيطانية العنصرية واليمينية، جاء الدور عليهم فأمسوا هدفاً تطلق عليه حراب تلك القوى الفاشية وهذه لن تدعهم إلا إذا قبلوا أن يكونوا أدوات تصريف لسياستهم أو يغدون بلا قوة أو سلطان.
مع الاحتلال ازداد الوضع سوءً وما كان مغلفاً ومسوقاً بتعبئة مزيفة جُرِّد وتعرّى. ما يجري هناك في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل يومي وحالات القمع والاعتداءات الإرهابية التي تقوم بها مجموعات المستوطنين دون رادع ومساءلة قانونية هي من المؤشرات المنذرة لما قد يحصل في مطارحنا بعد حين، فتاريخ الاحتلال علمنا أو هكذا يجب أن يعلمنا، أن ما يباح هناك لن يوقفه خط أخضر وكل موبقة ترتكب هناك تكون بمثابة "البروفا" لما قد يكرر ويعاد في قرانا ومدننا، فقبل إحراق مسجد ياسوف اعتدي على مساجد وكنائس أخرى أما عن حرمات المدارس والمستشفيات والبيوت فحدث ولا حرج.
لا يمكن لنظام عنصري أن يكفل مبدأ سلطة القانون وأن يحمي أقلية أو مجموعة أو حتى فرد لا يقبل الواقع ويحتج ويناضل لتغييره، وعندما يصبح نظام عنصري دولة احتلال يصبح العسير مستحيلاً، وعندها لن يقتصر ذلك على قمع أقلية بل سيكتسح هذا الغول كل آخر حتى لو كان من ذات الفصيلة والجنس.
هذه حقيقة نبهنا إليها من اليوم الأول للاحتلال وكذلك أشار إليها بعض النبهاء من اليهود وكان أشهرهم بما أطلقه في اليوم الأول للاحتلال البروفيسور يشعياهو لايبوفيتش. لم يسمعه سكارى حرب الأيام الستة، حينما أغرقتهم نشوة القوة إلى أن بدأ بعضهم يفيق على طلقة مسدس تردي بطلاً من أبطال ملاحمهم إياها، وقضاة يرافقهم حراس حتى في غرف نومهم، وأستاذ أجاد وأبهر العالم بما كتبه عن تاريخ الفاشية التي أصرت أن تعلمه أنها هنا على باب بيته وليست كما كتب هو عنها هناك في فرنسا وإيطاليا.
بعضهم بدأ يتنبه إلى خطورة الأوضاع القائمة في هذه الدولة، فقبل شهور أدلى رئيس المحكمة العليا السابق أهرون باراك وخلال لقاء نادر معه بحديث عن بعض مخاوفه وأبدى ندمه وأسفه عن بعض السياسات التي انتهجها ومررها رئيساً للمحكمة العليا، مثل سياسة هدم البيوت في الأراضي المحتلة وغيرها.
أقوال القاضي باراك هامة ومن المؤسف أن تأتي، مثل أقوال غيره من القضاة، بعد إنهائهم عملهم. في المجتمع الإسرائيلي وخاصة بين أوساط بعض النخب، ومنهم من بناة هذه الدولة، من بدأ يتوجس ويخشى على مستقبلها، ويتساءل إذا ما زالت هذه الدولة مكاناً آمنا للعيش فيه يضمن لأبنائهم عيشاً إنسانياً وكريماً.
ولأنني أومن أننا نستطيع أن نكون قوة فاعلة ومؤثرة في تداعيات هذه الأسئلة والقضايا، لا كضحايا ومتضررين فقط، أقول إن هناك دوراً يجب أن يضطلع به قانونيونا ورجال القضاء بيننا، فلهؤلاء يجب أن يكون رأيٌ وكلمة وبمقدورهم أن يؤثروا، أولاً في أطرنا السياسية والاجتماعية وثانياً بين أوساط يهودية واسعة خاصة بين رجال القانون والقضاء اليهود.
برأيي أن الوقت ملائم لمبادرة من قبل لجنة المتابعة العليا لعقد اجتماع تشاوري بالمشاركة مع بعض المؤسسات الناشطة في هذا الميدان، وكذلك بعض القانونيين ذوي الخبرة والتجربة لتدارس رزمة من الشؤون ذات الصلة بالحالة القانونية، وإبداء موقف إزاءها وبلورة أجندة جامعة لهذه المواضيع، عساها تكون أساساً لمؤتمر واسع يجمع جمهور المحامين والقانونيين العرب على أمل أن يوصلنا هذا لبعض التصورات والمواقف الموحدة في وجه ما يواجهنا من سياسات وكذلك منطلقاً لمخاطبة هؤلاء في مجتمع الأكثرية اليهودي الذين يخافون على مستقبلهم كما نخاف نحن عليه.
قرار المستشار القانوني بتقديم ثلاثة لوائح اتهام بحق ثلاثة، يمثلون ما ومن يمثلون من جماهيرنا العربية، يؤكد مرة أخرى أن مجموع 1+1+1 وإن كان حسابيا يوصلنا إلى ثلاثة يؤدي في علم القانون والسياسة الإسرائيلية إلى أن نتيجة 1+1+1 تساوي 1.

قد يهمّكم أيضا..
featured

المأزق المشترك

featured

قنبلة الأمونيا والوحش الرأسمالي

featured

مقاومــة جــدار الفصــل بالكلمات... وبروح مانديلا

featured

الدموي بعباءة "السلام" المهترئة

featured

رسالة من أجل الكرامة

featured

يصرُّون على تسويق السلام بمفاهيمهم الكارثية

featured

منذ الأول من أيار وأثينا تتحوّل لشعلة نار

featured

في القلب وذاكرة التاريخ يا أبا مراد