عن التكاثر، و"إسراطين"، ومقامرة الديموغرافيا والجغرافيا

single

واحدة من الصور التذكارية التي التقطت لوفد الجماهير العربية مع القائد الليبي في مدينة سرت، الأحد الماضي

 

بعض تلابيب المشهد محرجة: هذا الكم اللا متناهي من الصور والمتصوِّرين/ات، هذا التدافع، هذه القرفصة الثمانينية، هذه الوضعيات السياحية، هذا التوصيف التقريري لفتحة حذاء العقيد، هذا التركيز الإعلامي العقيم على إشراقة التكاثر؛ كلُّ هذا الزبد! ولكن، وما أدراك ما "ولكن"، أكبر إهانة لذكاء الناس وأكبر إساءة لمصلحتهم ستكون اختزال "لقاء سرت" في المشهد وما اعتراه، وإن اعتراه الكثير. واحتمال الاختزال وارد، لأنّ ثقافتنا باتت في السنوات الأخيرة مجرورة نحو الصورة أكثر منها نحو الكلمة. نعيدُ إنتاج هامشيتنا بأحدث الوسائل التكنولوجية. هذه هي الطرطوشة التي طالتنا من الثورة المعلوماتية، ولا يُحمد على مكروهٍ سواه.

***

إذًا: ولكن..!
مشروع "إسراطين" الذي أسهب فيه العقيد القذافي ليس جديدًا. الجديد هو أنه يُطرح هذه المرة في سياق مستقبل الجماهير العربية الباقية في وطنها، في ظل التأكيد الإسرائيلي على "دولة يهودية"، ليس كتعبير عن حق تقرير المصير للشعب اليهودي الإسرائيلي أو القومية العبرية (وهو حق يقبله ويتعرف به شيوعيون وإسلاميون وقوميون عرب، كما يعترف به ضمنيًا الداعون إلى دول ثنائية القومية)، بل كمسوِّغ مؤسِّس لغمْط الحقوق القومية للأقلية العربية الفلسطينية، يمأسِس بدوره تمييزًا مدنيًا صارخًا في كافة مناحي الحياة اليومية. وهذا السياق بحد ذاته جيّد لأنّ هناك تحليلاً إقليميًا آخر يقتصر إسقاطات "يهودية إسرائيل" على قضية اللاجئين وحقوقهم فقط. وإذا كان موقف الرئيس الليبي في هذا السياق (رفض "يهودية إسرائيل") يعبّر عن موقف عربي أو نواة لموقف عربي، فهذا إنجاز هام يضاف إلى رفض القيادة الفلسطينية - بناءً على توجه لجنة المتابعة، وبموجب اقتراح الحزب الشيوعي والجبهة في حينه – المطلب الإسرائيلي الوقح بالاعتراف بإسرائيل "دولةً يهودية".
كان مهمًا أيضًا تأكيدُ العقيد على حق العودة في إزاء عودة المبادرة العربية إلى الواجهة، ومحاولات إسقاط أو تمييع قضية اللاجئين وحق العودة. وإن اقتضت المسؤولية اتقاء الحيطة من معادلات "حتى آخر لاجئ"، والتي قد تشكّل مدخلاً مريحًا للبعض للتحلل من عبء تقديم حل عادل وواقعي، غير رومانسي بالضرورة، لقضية اللاجئين، ومن النضال الفعلي المسؤول والمثابر لإحقاق هذا الحل. ناهيك عن أنّ التاريخ أثبت أنه يمكنك قضاء ثلاثة أرباع عمرك السياسي في حزب "العمل"، ثم إقسام أغلظ الأيمان بأنك ستعيد "آخر لاجئ" إلى الفردوس المفقود.
أما فيما يخصّ النصيحة بالتكاثر الطبيعي، والتي سبق الأخ العقيد إليها سياسيون محليون، وفضلا عن أنها تعزّز البعبع الديمغرافي الإسرائيلي، فهي تتجاهل حقيقة أنّ الكم الذي لا يراكم نوعًا قد يفضي بنا (وربما قد بدأ يفضي بنا) إلى حالة مئات ملايين العرب والمسلمين العاجزين عن مواجهة إسرائيل، وتتجاهل حقيقة أنّ هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، الذي صمد في وطنه بفضل الكفاح قبل النكاح، سجّل أقوى وأرقى إنجازاته السياسية والوجودية والروحانية حين لم يتجاوز تعداده نصف المليون. وعمومًا فإنّ التكاثر الطبيعي هو سلاح الضعيف العاجز المهدَّد. فكيف يستوي هذا مع إسهاب العقيد في أنّ المهدّد هو مستقبل إسرائيل، وليس مستقبل الشعب الفلسطيني؟

***

الجديد والخطير حقًا هو تصريح الأخ العقيد بأنّه لن يعترف بدولة فلسطينية "في الضفة وغزة فقط". ففضلاً عن أنّ المسألة ليست متوقفة على اعتراف سيادته، فإنّ الدور العربي المنشود، إذا كان هناك دورٌ كهذا، يجب أن يصبّ لناحية ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره في دولة عاصمتها القدس. أما سوى ذلك فالوقت والاحتلال كفيلان به، ونأمل ألا يجتمع العرب مع إسرائيل وأمريكا (والزمن) على شعبنا الفلسطيني، كما سبق أن حصل في عام 1948. وأكثر من ذلك: إذا كان طرح فكرة "إسراطين" جديًا، فأقصر الطرق إلى "إسراطين" تمرّ بالضرورة، برأينا، في دولتين مستقلتين، لأنّ ربط الحل السياسي اليوم بتفكيك كل المشروع الصهيوني دفعةً واحدة يعني تبديد عقود طويلة من النضال الفلسطيني الممهور بالتضحيات الجسيمة، وإهدار عقود أخرى يواصل خلالها الملايين من بنات وأبناء شعبنا رزحهم تحت أنيار الاحتلال واللجوء والعنصرية والفقر والإذلال. ويتوجّب على كل من يستسهل الحديث عن دولة ثنائية القومية، من خيمة مفتوحة في سرت أو من غرفة مكيّفة في لندن أو ماريلاند، أن يدرك أن لا حق لأحد في العالم بالقول لأصغر طفل/ة فلسطيني/ة في بيت لاهيا أو بلعين أن ينتظروا، خمسين أو ستين سنةً أخرى، ريثما تختمر مقامرة الديموغرافيا والجغرافيا. فهل ستصمد أحياء القدس ومقدساتها عشرين سنة أخرى، أو حتى عشرًا، في مواجهة سرطان الاستيطان والتهويد؟
وبعد، فإنّ منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي الفلسطيني. وإذا ما أحرزت المنظمة اتفاقًا سياسيًا شرعيًا، على أساس المشروع الوطني، يحفظ جوهر الثوابت الوطنية، فلا يحق لأحد، بما في ذلك الجامعة العربية ورئيسها المناوب، أن يكون فلسطينيًا أكثر من الفلسطينيين. ومع أنّنا، بحكم التجربة التاريخية والاستقراء الراهن، لا نعوّل كثيرًا على النظام الرسمي العربي بشقيه "المعتدل" و"المتطرف" فيما يخصّ انتزاع الحقوق الفلسطينية المغتصبة، فلا بدّ من تحميل الدول العربية مسؤوليتها، وتحديدًا (في الوضع الراهن) مسؤولية الضغط على الولايات المتحدة لتضغط بدورها على إسرائيل. فأين هذا الضغط حين يصرّح الأخ العقيد (يوم الإثنين، بعد أقل من 24 ساعة على لقائه وفد الجماهير العربية) بأنّ "العلاقات الليبية الأمريكية ممتازة"؟ وأين الدول العربية وجامعتهم من سقوط مشروع المحافظين الجدد في المنطقة والرطن الأمريكي الجديد بلغة المصالح؟ ولماذا المصلحة الوحيدة المُستباحة والمُمتطاة عربيًا وإقليميًا هي المصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني؟
انزعج البعض هنا من "المناشدة" لإنهاء الانقسام الفلسطيني. ولكن الحقيقة هي أنّ لبعض الدول والقوى العربية والإقليمية إسهامًا غير متواضع بالمرّة في تكريس الانقسام، لأسباب لا يمت معظمها بصلة لمصلحة الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني. ولا ضير في تحميل العرب مسؤوليتهم في هذا الخصوص أيضًا، وإن كانت قناعتنا بأنّ الضغط الأكبر يجب أن يكون من الشارع الفلسطيني، ومن قيادات وقواعد كل الفصائل، فهناك قوًى وفئات فلسطينية أيضًا مستفيدة من الانقسام في كلتا "السلطتين".

***

إلى جانب هذا كله، يُحسب للقذافي تمييزه بين العداء للصهيونية كفكر وممارسة استعماريين عنصريين، والعداء لليهود أو اليهودية. هذه مقولة هامة في مواجهة المحاولات (المتبادلة) لتحويل الصراع من صراع سياسي إلى صراع ديني، ورسالة هامة يجب أن تصل إلى الشعب في إسرائيل، إلى من يوهمهم حكّامهم بأنّ إسرائيل هي "فيلاّ في الأدغال"، تأسيسًا على عقلية "الغيتو". كما تُحسب له دعوته العالم العربي إلى التمييز بين التطبيع مع دولة إسرائيل، المحتلة والعدوانية والعنصرية، والتواصل مع الجماهير العربية التي بقيت في وطنها، المواطِنة في دولة إسرائيل. وكان مهمًا التأكيد، من طرفنا، بأنّ "ساحتنا النضالية الأساسية تبقى الوطن"، وهذا فارق أساسي بين لقاء سرت، رغم كل ما اعتراه، ولقاء آخر، عُقد بتزامن دقيق، في إحدى عواصم المشرق العربي.
وكما سجّلنا هنا قبل عشرة أيام، فسيكون على لجنة المتابعة ومركّباتها المسؤولة، بعد تلخيص هذا اللقاء، بمنجزاته وشوائبه العينية، استيضاح وتوضيح توقعاتنا من العالم العربي، ومطالبنا من جامعة الدول العربية، وإرساء قواعد لهذا التواصل، بما في ذلك الأمور البرتوكولية التي من شأنها أن تجنّبنا بعض التلابيب آنفة الذكر. ورُبَّ ضارةٍ نافعة.


عناوين:
ربط الحل السياسي اليوم بتفكيك كل المشروع الصهيوني دفعةً واحدة يعني تبديد عقود من النضال الفلسطيني وإهدار عقود طويلة أخرى
أين الضغط العربي على الولايات المتحدة لتضغط بدورها على إسرائيل حين يصرّح القذافي بأنّ "العلاقات الليبية الأمريكية ممتازة"؟
التمييز ضروري بين التطبيع مع دولة إسرائيل المحتلة والعدوانية والعنصرية، والتواصل مع الجماهير العربية الباقية في وطنها

قد يهمّكم أيضا..
featured

القلعة الصامدة في وجه سياسات الابتزاز

featured

متى يكون الكلام غذاء روحيا جميلا؟

featured

من هو البُعْبع؟!

featured

رئيس الائتلاف الفاشي!

featured

مسؤولية التصويت والتصويت المسؤول

featured

في رحيل علي شاهين: رسالة وكلمة وداع وأنت في ربيع العمر