- الوضع السياسي الدولي
يعقد المؤتمر الـ 19 لاتحاد الشبيبة الشيوعية الاسرائيلي - ربيع العام 2013- في ظل حراكات احتجاجية واسعة حول العالم وفي المنطقة. "ما السبب؟!" يسأل السؤال، وعادة ما تكون الأجوبة موضعية تتعلق بكل موقع على حدة: فهنا المسؤول هو فساد النظام، وهناك القمع والفقر وفي موقع ثالث قد يتهم "الفيسبوك" بالوقوف وراء تحريك الملايين، فما هي الحقيقة؟
الحقيقة هي أن معظم الإجابات قد تكون صحيحة إذ لكل موقع خصوصيته وظروفه وهنالك فروق جمة بين موقع وآخر إلا إن ثمة حقيقة واضحة: منذ بداية التاريخ البشري لم يحظ هذا العالم بالاستقرار الحقيقي، كما أن انهيار المنظومة الاشتراكية لم يوفر هذا الاستقرار رغم ما بشّر به، المنظِّر الرأسمالي البارز، فرنسيس فوكوياما حينها بأن "انتصار الديمقراطية والمنظومة الرأسمالية هو نهاية التاريخ!"
الاضطرابات، ليس فقط أنها لم تهدأ في عالم القطب الواحد، الذي أدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية دور "شرطي المرور" بل انها تصاعدت.
هذا التصعيد كان ملحوظا بشكل خاص منذ احتدام الأزمة الاقتصادية العالمية التي كان مصدرها في أمريكا عام 2007 والتي لم تنته كما خُيّل للبعض بانتخاب باراك أوباما رئيسا لأمريكا في الجولة الأولى. بالعكس: الأزمة تفاقمت، بل تجاوزت الدول الرأسمالية نحو عدد من الدول النامية، ومنذ العام 2009 بدأت تشهد دول العالم المختلفة وخاصة في جنوب أوروبا حراكات احتجاجية وصلت إلى العالم العربي والشرق الأوسط في العام 2011.
كل هذا يؤكد ان المشكلة ليست خللا او مشكلة نشأت هنا او هناك في النظام الرأسمالي، كما تحاول التيارات الليبرالية تفسير مشاكل الرأسمالية، بل ان المشكلة هي النظام نفسه .
وهذا ما أكدته اللجنة المركزية في تقريرها إلى المؤتمر الـ 26 للحزب الشيوعي الإسرائيلي (شباط 2012)، إذ أشارت إلى أن هذه الأزمة ناجمة عن عجز المنظومة الرأسمالية القائمة عن توفير ما تتوق إليه الشعوب من عيش كريم وحر وحدّ للفقر والحروب.
كارل ماركس يعالج في كتابه، "رأس المال" هذا التناقض موضحا أن المنظومة الرأسمالية لم تأت لتلبية حاجات البشرية إنما للزيادة القصوى لأرباح أصحاب رؤوس الأموال. وفي هذا السباق لزيادة الأرباح ينتج العمال منتجات لا يستطيعون امتلاكها واستهلاكها ما يؤدي بالنظام الرأسمالي إلى أزمات مرحلية ودورية أكثر عمقا.
إذًا، كيف تتجاوز الرأسمالية هذه الأزمات وتنجح بتحويل الفائض بالانتاج إلى مصدر للربح؟ من خلال فرض السياسات الليبرالية الجديدة على العالم ودوله عبر استخدام الجزرة حينا والعصا أحيانا أخرى، فمرة تستخدم التهديدات العسكرية والضغوط السياسية ومرة أخرى بالاستخدام الواسع لأنظمة منظمة التجارة الدولية وصندوق النقد الدولي، لإرغام الدول على استهلاك ما لا يمكنها استيعابه!
المفكر الماركسي نوعام خومسكي في كتابه "الليبرالية الجديدة والنظام العولمي"، يعرّف الليبرالية الجديدة بـ "النموذج السياسي والاقتصادي الذي يعرف به عصرنا وهي تتعلق بالسياسات والعمليات التي تتيح لحفنة من الشركات الخاصة السيطرة على أكبر حيز ممكن من الحياة الاجتماعية كي يتم تحقيق أقصى الأرباح."
وهو يؤكد أن الدولة في المنظومة الليبرالية الجديدة تغيّر من دورها لتكون مقاولا لا همّ له إلا إرضاء حفنة من أصحاب رؤوس الأموال متيحة لهم ولشركاتهم الخاصة السيطرة على أكبر حيز ممكن من الحياة الاجتماعية. إلا انه يضيف ويشدد على أن التغيير لا يقتصر على الدولة فحسب، إنما على المواطنين بتحويلهم إلى مستهلكين والانشغال بانتاج الأسواق والمراكز التجارية بدلا من انتاج المجتمعات.
وأما "الديمقراطية" والتي حظيت بتعزيز مكانتها في حقبات من التاريخ، في عدد من الدول بفضل صراعات مريرة، فقد أصبحت في المنظومة الليبرالية الجديدة أكثر خواء: إذ أن أكثر القرارات تأثيرا على الناس صودرت من أيدي الأجهزة المنتخبة والموضوعة تحت المساءلة لتكون بأيدي الشركات الخاصة وأصحابها، فبات مثلا قرار شركة عابرة للقارات بإغلاق مصانعها في دولة ما ونقلها إلى دولة أخرى أشد تأثيرا على الناس من أي قرار قد يتخذه البرلمان وبات رجال الأعمال هم لا غيرهم من يتحكمون بالسياسة والسياسيين.
ما ذكرت أعلاه هي السمات الأبرز للديمقراطية البرجوازية، الهشة، الشكلية والزائفة، والتي لن تكون لها أي قيمة حقيقية إن لم تمتد من الحلبة السياسية التقنية إلى الحلبات الاجتماعية الاقتصادية وإن لم تضمن بشكل حقيقي أبسط الحقوق: الحريات، الديمقراطية والتعبير عن الرأي، والتنظيمات العمالية.
إذًا، إلى متى يطيق البشر وضعا تستهلك فيه دولهم على حسابهم ما لا يحتاجون؟ مثل اقتناء الأسلحة بضغط أمريكي.
وإلى متى يطيقون أن تخرج دولهم إلى حروب زائدة هم في غنى عنهما؟ لإرضاء منتجي الأسلحة الذين عادة ما يكونون هم أنفسهم أصحاب شركات "إعادة التعمير".
وإلى متى يطيقون أن يفنوا حياتهم في مصانع لا توفر لهم أي استقرار؟ إذ أن قرار إغلاقها بأيدي رجل غريب واحد يعيش في دولة أخرى أصلا!
وإلى متى يطيق البشر أن تكون دولتهم أداة للسيطرة على موارد أوطانهم وخصخصتها؟ لصالح أقلية تكون متخمة الغنى فيما يزداد الشعب فقرا؟
وإلى متى يخرج المواطنون إلى صناديق الاقتراع مرة كل أربعة أعوام دون أن يؤثروا فعلا على من يؤثر على حياتهم؟
إلى متى يقبل البشر صامتين، باتساع الفجوات الاجتماعية، ليس فقط بين الدول الفقيرة والغنية إنما أيضا بين الشرائح الفقيرة والغنية في هذه الدول، حتى الفقيرة منها؟!
إذًا يجب ألا يغيب عن أذهاننا حقيقة أن هذه الاضطرابات تعود أولا وقبل كل شيء إلى عجز المنظومة الرأسمالية عن توفير الرخاء والاستقرار للبشرية ما جعل الطبقة العاملة تخرج إلى الشوارع مطالبة بحقوقها الأبسط- التي لا مجال لضمانها إلا من خلال إسقاط المنظومة الحالية وطرح بديل اشتراكي ثوري له!
- التطورات الإقليمية
الاضطرابات هذه، التي عصفت بالدول النامية الفقيرة دون أن تقفز عن الدول الصناعية، تحمل سمتين شديدتي الوضوح:
- للشباب دور مركزي! كيف لا وهم أكثر المتضررين من العولمة الرأسمالية القائمة التي لا ترى بهم إلا أيدي عاملة رخيصة دون توفير أي ظروف دنيا تضمن لهم العيش الكريم.
- بالمقابل، المنظومة الرأسمالية لا تستلم! لا تقف هذه المنظومة - وفي مركزها الامبريالية الأمريكية على المستوى العالمي وأذرعها من الأنظمة والأحزاب البرجوازية - مكتوفة الأيدي أمام هذه التحركات إلا انها أيضا وفي كثير من الأحيان لا تعمل على محاربتها بشكل مباشر إنما تبذل كل الجهود من أجل تدجينها أو القضاء عليها بل أنها لا تتورع ساعة الحاجة عن التلفع بزي الثوار لإجهاض الثورة الحقّة، نهبها وشن ثورة مضادة ضدها. وهو ما نراه جليا في كل من تونس ومصر، بقيادة الحركات الإسلامية، ذات الصلات المباشرة بالإمبريالية.
إن التطورات الحادثة في العالم العربي خاصة، تخيّب ظنّ الرومانسيين الحالمين ممن يعتقدون أن النوايا الطيبة وحدها قادرة على مواجهة الظلم بأنظمته الرأسمالية الجشعة والقوى الامبريالية من خلفها وتثبت صحة ما أكده الشيوعيون دوما من أنه لا مكان لعمل ثوري حقيقي بلا فكر ثوري، يكون هو البوصلة الموجهة ويوفّر الأدوات للتحليل الطبقي للظواهر والنفاذ إلى عمق الأمور.
في ظل هذه الظروف غير المستقرة، حيث يلف الضباب مستقبل المنطقة بل العالم بأسره، نجد بأن على القوى الشيوعية واليسارية في العالم أن تعزز من دورها الريادي وتطور أدواتها، لتؤدي دورا هاما ليس فقط في انطلاق الاحتجاجات الصاخبة إنما بإغنائها بما يمدها من مقومات تجعلها ترتقي فعلا إلى مكانة الحراكات الثورية المسيسة المناهضة للثالوث الدنس في منطقتنا: الإمبريالية العالمية، الحركة الصهيونية والأنظمة العربية الرجعية!
إن العداء للثالوث الدنس لا يمكن إلا أن يؤدي إلى رد فعل معاكس وهو عداء القوى الثلاث للتحركات الثورية، وكل تصرف غير ذلك من قبلها - كلها أو بعضها - لا يمكن إلا أن يكون لخلل بالتحرك الاحتجاجي نفسه أو لمراوغة خطرة وماكرة تخطط لها هذه القوى.
وفقًا لهذه الرؤية المركبة للأمور، ليس من الغريب على حزبنا الشيوعي - ورغم تأييده المطلق لحريات الشعوب وحقها بتقرير مصيرها وموقفه التاريخي الواضح ضد الأنظمة العربية الرجعية - أن يرفض الانجرار وراء "كلمات الحق المراد بها باطل" ووراء المخططات الامبريالية في العراق، ليبيا وسوريا بتفتيت الدول القائمة على أسس طائفية وانغلاقية.
- *نبدأ اليوم، بنشر فصول من مواد مؤتمر الـ 19 لاتحاد الشبيبة الشيوعية، الذي يُعقد نهاية الاسبوع الجاري، وننوّه الى أن المادة المنشورة هنا جزئية، أما نص المواد الكامل فمنشور في موقع الجبهة الإلكتروني: http://aljabha.org/index.asp?i=75552
