أحسنت صنعاً اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، بالتصويت ضد الحرد والعزلة وضد الإنكفاء عن المؤسسة الشرعية ، برفضها تجميد عضوية مشاركتها في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، وهذا يعني إنها صوتت وإنحازت لمواصلة مشاركتها في مؤسسات صنع القرار الفلسطيني ، وعدم الخروج منه أو عنه ، وممارسة نقدها او معارضتها للقيادة الفلسطينية من موقع القيادة بإعتبارها طرفاً فيه وليست مستقلة عنه ، لأن موقعها هذا لم تحصل عليه مكرمة من حركة فتح ، أو من الرئيس الراحل أبو عمار أو من الرئيس أبو مازن ، بل دفعت ثمنه دماً وعرقاً وجهداً حتى إحتلت الموقع الذي تستحقه .
اللجنة المركزية للجبهة الشعبية إتخذت هذا الموقف لسببين :
أولهما : بسب خبراتها السابقة عن مواقف إنفعالية متسرعة مماثلة سبق أن إتخذتها الجبهة لتصويب مواقف أو سياسات فكانت تحرد وتخرج عن مؤسسات منظمة التحرير وما تلبث أن تعود لمواقفها ، بدون أن تحقق مكسباً وطنياً واحداً لنفسها أو لشعبها سوى توصيل رسالة أنها لا تتورط في عمل ولا تسهم في موقف ترى أنه غير مقبول ، ولذلك وجدت اللجنة المركزية للجبهة الشعبية أن هذا السلوك الحردي غير مناسب وأنها يجب مواصلة عملها ورفضها ونقدها لمواقف القيادة الشرعية من موقعها الداخلي ومن داخل مؤسسات منظمة ، لا من خارجها ، خصوصاً في ظل الأنشقاق والإنقلاب الذي تقوده حركة حماس ضد الشرعية وضد التعددية وضد تداول السلطة البرلمانية .
وثانيهما : تعرف قيادات الجبهة الشعبية ولجنتها المركزية أن المفاوضات الجارية لن تشهد تطوراً دراماتيكياً ، ولن يحصل إختراق في المواقف المعلنة والتي سببت لهذا الوقت إما لعدم إستكمال المفاوضات التي بدأت في كامب ديفيد وطابا وتواصلت بعد أنابوليس مع يهود أولمرت ، أو لأنها فشلت في تحقيق غاياتها بإنهاء الإحتلال وإقامة الدولة والتوصل إلى صيغ التعايش والتسوية والسلام مع الإسرائيليين وهذا يعود لسببين أولهما تصلب الإسرائيليين وثانيهما تصلب الفلسطينيين ولو جرى أي تسهيل أو تجاوب او تنازل من أي طرف من الطرفين لشهدنا الإحتفالات وتوزيع الألقاب ، ولكن شيئاً من هذا لم يحصل ، وإذا كان الحكم على النتائج بالنجاح أو الفشل ، فالطرفين لم ينجحا وكلاهما فشل في الضغط على الأخر ودفعه نحو القبول بما لايستطيع ان يقبل .
إسرائيل بما تملك من أوراق قوة عجزت عن دفع منظمة التحرير لقبولها مشاريع حلها للقضية الفلسطينية وخاصة بشأن اللاجئين والقدس والحدود ، وبقي الوفد الفلسطيني متمسكاً بحقوقه رافضاً التنازل عنها .
ومنظمة التحرير الفلسطينية بما تملكه من عدالة مطالبها ومشروعية حقوقها المسنودة بقرارات الأمم المتحدة لم تستطع إختراق المواقف الإسرائيلية وتليينها لصالح الإستجابة لإستحقاقات التسوية وشروط التفاوض والإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني والعمل على تنفيذها ، فالموازين والقوة ما زالت بيد الإحتلال ومشاريعه التوسعية الإستيطانية الإستعمارية ، أما صاحب الحق فما زال الحلقة الضعيفة في الصراع غير المتكافيء بين الإسرائيليين والفلسطينيين .
الفلسطينيون يملكون أوراقاً قوية بيدهم في طليعتها عدالة قضيتهم ولكن وحدتهم الذاتية هي الأساس ، وما الإنقلاب والإنقسام سوى ورقة ضدهم ولصالح عدوهم ، من هنا أدركت اللجنة المركزية للجبهة الشعبية مخاطر زيادة الإنقسام وزيادة المس بالشرعية وتركيبتها ، ومن هنا أهمية وقوة قرارهم برفض تجميد عضويتهم في مؤسسات منظمة التحرير .
المفاوضات الجارية عض أصابع بين نتنياهو وأبو مازن ، وبين صائب عريقات ومولخو ، فالطرفين يسعيان كي لا يحمل أحدهما مسؤولية إفشال الأرادة الدولية والرغبة الأميركية في إطلاق المفاوضات ، رغم إدراك الطرفين لحجم الفجوة بينهما والتي تزداد إتساعاً بسبب شروط وإملاءات نتنياهو المستجدة برفض بدء التفاوض من حيث إنتهى في عهد سلفه أولمرت ورفض تحديد جغرافية المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، ومطالبته بالإقرار بهودية إسرائيل مما يعني شطب حقوق الفلسطينيين في مناطق الإحتلال الأولى عام 1948 ، وشطب حق عودة اللاجئين وفق القرار 194 .
القاعدة الفقهية تقول درء المفاسد خير من جلب المنافع ، وطالما أن موازين القوى لا تستطيع فرض إستعادة حقوق الشعب الفلسطيني ، فيكون العمل على درء المساوئ المحتملة هي الدافع لدى صاحب القرار الفلسطيني ، فالمفاوضات الجارية ليست عبثية كما يتوهم مطلقوا الشعارات السياسية ذات الطابع الغنائي ، المفاوضات الجارية مهمة ، بل ومهمة جداً لإنها تستهدف إقرار حقوق الشعب الفلسطيني من زاوية الوفد الفلسطيني المفاوض وشطب حقوق الشعب الفلسطيني من زاوية الوفد الإسرائيلي المفاوض ، وما صراع الأجندة والأولويات سوى تعبير عن صراع الفهم بين الطرفين عن ماهية هذه الحقوق .
المفاوضات الجارية من وجهة نظر المصالح الفلسطينية ، تخدم المصالح الفلسطينية عبر فك الحصار المالي والسياسي عن المنظمة والسلطة ، وتجعل حقوق الشعب الفلسطيني متداولة على طاولة المفاوضات ، حتى ولو لم يتم إنتزاعها الأن .
الإستيطان تواصل ، في عهد المفاوضات وفي عهد الإنتفاضة الشعبية الأولى وفي عهد الإنتفاضة المسلحة الثانية وعملياتها الإستشهادية ، وما يفعله المفاوض الفلسطيني الآن ، وما يسعى إليه عبر قبوله بالجلوس على طاولة المفاوضات ، هو وقف الإستيطان وهو مطلب يحظى بإجماع دولي بما فيه الأميركي ، ولذلك يجب إسناد المفاوض الفلسطيني لا إضعافه والتشكيك بدوره ووطنيته وشرعيته وما قاله عزام الأحمد بإسم حركة فتح في دعم وإسناد المفاوض والمفاوضات سوى المنطق والمصلحة والموقف الصائب .
h.faraneh@yahoo.com
الخميس 16/9/2010
