يدخل العدوان المجزري الاسرائيلي على أهلنا الفلسطينيين في قطاع غزة المحتل يومه الخامس والعشرين، وسط استمرار وضوح طرفي المعادلة: جيش احتلال وحصار يفتك بالمدنيين في بيوتهم ومدارسهم التي تحوّلت الى ملاجئ بعد تهجيرهم، من جهة، ومنطقة فلسطينية محتلة ومحاصرة من البر والبحر والجو تئن وتتألم وتبكي، لكنها في الوقت نفسه تصمد وتقاوم العسكر!
عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين ضحايا آلة القتل والدمار الاسرائيلية يقترب من العشرة آلاف انسان؛ هؤلاء ليسوا أرقاما مثلما يتعامل معهم عنصريو مختلف المؤسسات الاسرائيلية، السياسية منها والسكرية والاعلامية بغالبيتها الساحقة المجنّدة! بل هم بشر لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحباب وأحلام، دمرتها كلها وقطعتها الفاشية الاحتلالية الاسرائيلية الحاكمة.
على الرغم من بشاعة الجرائم فإن حكومة اليمين ترفض المطلب الفلسطيني الموحّد والعادل بانهاء الحصار الممتد منذ سنوات من التجويع والخنق والاستعلاء. بل ان الاصوات الاكثر فاشية في الحكومة تحرض على احتلال القطاع الفلسطيني مهما كان الثمن. أي بثمن حرب ابادة احقر! في الوقت نفسه، فإن جيش الاحتلال والاقتصاد الاسرائيلي تكبدا خسائر كبيرة، لن يمتد كثيرا السكوت عليها، اسرائيليا.. فهذا العدوان المجزري ناجح جدا في الدموية لكنه سيظل الفاشل عسكريا وسياسيا، لأنه لا ولن يركّع غزة هاشم، وسرعان ما سيتحوّل الى ساحة معركة داخلية اسرائيلية. وها هي الاحتكاكات وتبادل الاتهامات قد بدأت بين المؤسسة العسكرية وبين الحكومة.. ليس بسبب الثمن الأخلاقي الهائل للجرائم طبعًا، بل سعيًا من كل مسؤول لتبرئة ساحته امام ما ينتظر المؤسسة سياسيا ودوليا..
تعرف حكومة الاحتلال ويقرّ بعض وزرائها علانية أنهم سيواجهون تحقيقا دوليا قاسيا وادانات يرجّح أن تكون اشد وضوحا مما تضمنه تقرير غولدستون بعد عدوان 2009. ومن الضروري ان يترافق هذا بالبحث عن شتى الادوات التطبيقية كي تقع عقوبات حقيقية وشخصية على جميع المسؤولين عن اقتراف وتنفيذ جرائم الحرب. وهنا يتطلب الامر المبادرة لرفع مكانة فلسطين في شتى الهيئات الدولية ذات الصلة على الفور.
أما الأهم الأهم فهو تسديد الضربة الحقيقية للاحتلال الاسرائيلي من خلال إفشال الغاية الأساسية التي تقف خلف العدوان، وهي ضرب المصالحة الوطنية الفلسطينية، ودفن أي تحرك استراتيجي فلسطيني. فبسبب العدوان بالذات يجب زيادة اللحمة والتكامل السياسي والوطني والاجتماعي الفلسطيني، حتى يتسجّل هذا كانتصار استراتيجي هام على مشاريع الاحتلال الاسرائيلي المجرم.