الأزمة السورية في كتابات الرفيق الراحل نمر مرقس (1+2)

single

نكتب هذه الامور بملية  لكي نقف على عظيم اسهامات رفيقنا الراحل في الازمة السورية، وهي قمينة باعادة القراءة، لكونها تشهد على تلك القامة الفكرية السياسية الباسقة التي خطتها، ومن جانب آخر نجدها مرشدا للتحليل السياسي الشيوعي ونموذجا له، تصلح ان ترى نور النشر مجددا لكوادرنا عموما، كمعلم تثقيفي في كيفية تذليل صعاب السياسة بادوات الفكر

 

  • في أسباب المقالة


تعمل الأزمات في السياسة عمل الموشور الذي يفرز الضوء الى الوان الطبيعة، واما الاسود فهو امتصاص للضوء لا لونا متميزا. وسط زحام الساسة المتحلقين حول الازمة السورية، وفي اكناف العتمة سطع قلم رفيقنا الراحل احمر اللون منيرا للدرب، ولعله من حيث لم يشأ كشف عن هول الحقيقة، بان التخمة في الساسة تعاني املاقا في المواقف، ان لم يكن بؤسا وسوءا ونفاقا.
الازمة السورية ستفضي تقويما في التاريخ والسياسة، فهناك الزمن الذي سبق وآخر سيتلوها، وهي من هذا المنظور مسبار لكفاءات الساسة والمفكرين، فمن ادركها واستشف فرادتها لحظة النشوء كان من القلة، التي تميزت عن اقرانها بذاك الحس او الوعي الثوري الوطني التقدمي القادر وسط الضوضاء والعويل والتهويش الاعلامي، ان يشخص الازمة ويستجلي المؤامرة، وان يجترح الموقف.
نكتب هذه الامور بملية  لكي نقف على عظيم اسهامات رفيقنا الراحل في الازمة السورية، وهي قمينة باعادة القراءة، لكونها تشهد على تلك القامة الفكرية السياسية الباسقة التي خطتها، ومن جانب آخر نجدها مرشدا للتحليل السياسي الشيوعي ونموذجا له، تصلح ان ترى نور النشر مجددا لكوادرنا عموما، كمعلم تثقيفي في كيفية تذليل صعاب السياسة بادوات الفكر.

 

  • مدخل وتعريف

 

تقع المقالات الاربع في ما يقارب 5000 كلمة، صدرت في صحيفة الاتحاد وموقع الجبهة بعد خمسة اشهر على اندلاع الاحداث في سوريا، وذاك ابتداء من تاريخ 15.08.2011 وانتهاء بتاريخ 29.08.2011.
تحت عنوان "الموقف من احداث سوريا الاخيرة"، صدرت المقالات، الا ان لكل واحدة  عنوانها الفرعي الخاص، والعناوين وفقا لتسلسل المقالات كالتالي:
* تجربة مضت ولكن دروسها باقية.
* رؤية الاساسي وتغليبه.
* غلبة الطبقي على القومي والديني.
* من المر يخرج الحلو.
استنادا على هذه اللمحة التعريفية  سنلج موضوع التحليل.

 

  • انسيابية التحليل: في تحديد التناقض والعدو الاساس.


بدون مواربة، ومنذ البداية تضع المقالة الاولى القارئ تحت طائلة تجربة الانقسام الاليمة في عام 1965، وكأني بالكاتب حيال اغتيال المشاعر المهيجة اعلاميا، للعقول اراد ان يصدم لكي يفهم. والعبرة من التجربة ان السياسة الوطنية الاممية التقدمية ليست قولة مأثوراتية وشعارا رنانا، بل هي في الصلب تقوم على الحسم في ماهية وهوية اطراف التناقض الاساس، بين مصالح شعوب المنطقة ومصالح الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية.
ليست الوحدة التنظيمية في الفكر الماركسي اللينيني هدفا بحد ذاته، وانما هي خاضعة بالتمام والكمال للتطبيق الامين والحقيقي لذاك الفكر، وخلاف ذلك من انحرافات وتشويهات مؤداها ضعضعة الوحدة التنظيمية، والانقسام تصبح ضرورة  عند منعطف الانحراف وملتقى الانحدار.
ان الفقرة التالية لرفيقنا الراحل جديرة بالقراءة المتأنية، فقد صيغت بذهن سياسي حاد وثاقب:
"اصرت الأقلية على ان يتنصل الحزب من واجبه الأممي – واجب التضامن غير المشروط مع الشعوب المضطهدة وحركاتها التحررية وأنظمتها المعادية للاستعمار – وان ينشغل بملاحقة وادانة اخطاء ونواقص وتصرفات غير سليمة تصدر عن هذه الحركات و انظمتها فبهذا نغدو مقبولين بين شعب الأكثرية في الدولة، الذي بأكثريته الساحقة مخبول بالشوفينية القومية وبالعداء للشيوعية، ونخلق جوا اسهل لنشاط حزبنا بين جماهيره!! اي ان الاقلية ارادت بطرحها هذا جر الحزب الى موقف انتهازي يحوله عمليا الى شريك في جوقة التحريض على شعوب المنطقة وعلى حركات و انظمة تحررها الوطني وتأجيج العداء لها."

ما يقوله رفيقنا بصريح العبارة وبصوت مدوٍّ، تاريخيا دفع حزبنا ثمنا باهظا لقاء عدم التفريط بالمبادئ، ومنها التضامن الاممي مع الشعوب وحركاتها وانظمتها المعادية للاستعمار.والمبدأ قد يصدم اصحاب الرومانسيات والنفوس المرفهة والمرهفة الحالمة بعالم نقي من كل غبار وشائبة، بالحقيقة التالية: لا معنى من مناهضة الامبريالية دون مساندة القوة التي تقف في وجهها. لقد اختط حزبنا سبيلا سويًّا قويما قوامه التضامن الرافض للنقض، القابل بالنقد، وشتان ما بين العداء واسداء المشورة والنصيحة.
عليمًا بالنفوس وطبائعها وضعفها امام اغواء التزلف للاكثرية، يسرد رفيقنا الماضي عبرة للحاضر والحاضرين من الرفاق، ولسان حاله يقول لم نحنِ هامتنا ورايتنا لنغدو مقبولين على الاكثرية وقبلنا الانقسام ولا حطة اعوجاج اللسان، واما الخسارة البرلمانية فكانت مرحلة قبل استعادة العافية، فمع الموقف الصحيح تستعاد العافية، واما الانحناء فيستعجل الهرم ويتذوته.

لم تقع تحذيرات رفيقنا على ارض شباطية رطبة لتينع، بل وقعت على ارض صلبت من قيظ الصيف. وكان ان راجت تسمية المعركة الحضارية لانتخابات الكنيست ال19، وفيما عدا التسمية فان السكوت عن الازمة السورية وعن تكالب اطراف الثالوث الدنس وعلى رأسها اسرائيل على الوطن والشعب والقيادة السورية، لم يكن من الحضارة بشيء. زاغت الابصار وزال الوهم بفيض الاصوات، ولعل من لطف اوغريب المصادفات ان ادرك فقيدنا نتيجة الانتخابات، وطوى على يقينه قبل ان يوارى الثرى، بان من يتزلف مكرا بالسياسة قد لا يفقه بان المصوتين اشد الماكرين. وبان على قدر سعة حدقة العين تأتي النتائج، فمن شاء تبئيرها في النشاط البرلماني والقوانين المسنة فذلكة وتمويها " لبقا " عن الشق السياسي الفكري في منطقة تصطلي بلهيب المخاطر، فقد حصل على قامة استوت على سعة الحدقة، فكان من البقية واحدا، لا واحدا عن البقية، متميزا.

 

  • انسيابية التحليل: موضعة النظام السوري في اصطفاف القوى.

 

لقد تميزت الازمة السورية بانفصام وانقسام منهجين لتحليل النظام السوري وطنيًا:
الاول: هناك فئة ارادت ان تقف موقف المناهض للنظام السوري، دون ان تصاب بوخزة او بلكزة في ضميرها الوطني، ولاجل هذه المهمة ابتدعت لنفسها منهجا تحليليا خاصا قوامه التكامل السياسي شبيها بذاك الرياضي، والذي يفترض ان تكامل الممارسات السلبية للنظام السوري يفضي الى جواب ينزع عن النظام سمة الوطنية.  هذا الضرب من التحليل الرديء الرث لا يفضي الا الى باطل، لكونه خارج السياق التاريخي والزمن والوقائع وحقائق موازين القوى، والانكى انه لا يكلف نفسه تمحيص الايجابيات المجترحة ضمن تلك العوامل وموازنتها مع السلبيات. وهو لا يصلح كمادة نقدية تستفيد منها قوى التحرر لكونه استكتب لرفع اللوم والملامة عن اولئك الذين وجدوا انفسهم اسوة بالامبريالية والرجعية واسرائيل في ذات الموقع، وبئس الموقع.
الثاني: والذي وجد تعبيره الابرز في مقالات الراحل نمر مرقس، والتي اعادت للتحليل طابعه المادي الطبقي التاريخي. والتاريخ ينبئنا بان مصر وسوريا نهضتا من كبوة الـ67 الى انجازات الـ73 والتي انتهت الى ما انتهت به من تراجع للقوات السورية وحصار للفيلق الثاني المصري بفعل خيانة السادات، والذي امعن في الغي الى حد اخراج مصر من محور المقاومة الى محور التواطؤ والتحالف مع الامبريالية والرجعية. ان الذي لا يفقه عظيم السياسة السورية في اعقاب الاستسلام الساداتي ليس جديرا بصفة السياسي، ولعل كلمات رفيقنا الراحل المنتقاة بأناة، ومن قلب يخاف على السياسة من الخطل هي الافضل تعبيرا، وقد خطها على النحو التالي:
" ولكن سوريا الوطنية صمدت، وبصمودها اعطت الامل لكل قوى التحرر الوطني العربية، رغم ليل الانتكاسة الذي نشرته خيانة السادات وعبر بها عن ارادة ومصالح "قطط مصر السمان" وليس ارادة ومصالح شعب مصر".

بكثير من الصبر يحاول رفيقنا الراحل نمر مرقس ان يشرح التميز السوري للصمود في ظل اختلال فظ لموازين القوى، والذي لم ينته بفقدان سوريا للعمق المصري الاستراتيجي، وانما ايضا في غياب متكأ الظهر العراقي الذي تحول في حربه ضد ايران الى اداة فاعلة بيد الرجعية والامبريالية واسرائيل. والمقالة الثانية تذكرنا بما هو انكى اطلاق يد الاخوان في سوريا قبل اربعة أشهر على العدوان الاسرائيلي في عام 82. لقد بقيت سوريا رغم كل الظروف والضغوطات نقية وعصية على القواعد الامريكية الضاربة طولا وعرضا في الاقطار العربية. واضافة لما ذكر في المقالة  نسجل وجود الناتو في الشمال السوري اي في تركيا، كلها قوى حتّمت على سوريا مواجهتها.

ينهي رفيقنا الراحل نمر مرقس مقالته الثانية بالخلاصة السياسية التالية التي تحدد طبيعة القوى التي تقف في مواجهة العدو الاساس ونعني به الامبريالية الامريكية وحلفاءها، فيكتب ما يلي:
" انها لحقيقة ساطعة بان هاتين الدولتين – ايران وسوريا ش.ع.- بنظاميهما القائمين هما العنوان في هذه المنطقة لمقاومة الامبريالية وممارساتها ومخططاتها العدوانية. واليهما تستند كل قوى المقاومة لشعوب هذه المنطقة.
وهذه الحقيقة هي الامر الحاسم الاساسي في المرحلة التاريخية التي تعيشها شعوب منطقتنا اليوم. ولا يمكن لاي مأخذ – حقيقيا كان او مغرضا - ضد نظاميهما ان ندحض او تشوه هذه الحقيقة، التي ينبغي لكل وطني وتقدمي ان يتمسك بها ويدافع عنها."

نحن اذًا أمام تحليل علمي بامتياز،  بدءا بتلمس الحقيقة من موردها مراحل التاريخ والمسار العام، وعلمي لكونه ايضا نسبيا وهذا من مميزات الفكر المادي الجدلي لا المثالي، فالنظام السوري وليد المنطقة ووفقا لانظمتها تجوز المقارنة، لا كما ذهب البعض عن خباثة وسوء هدف فاخذوا من النموذج المثالي للنظام الوطني الحاضر في اذهانهم لا في الواقع، مقياسا مجحفا للمقارنة. والاهم فان رفيقنا يقيم الفوارق بين الاساسي والثانوي، بين رفض الاستسلام والانضواء تحت رايات سياسات الامبريالية الامريكية وقواعدها العسكرية ومقاومتها، والاخطاء والسلبيات والكبوات التي اقترفها النظام السوري. ان القصف الاعلامي الكثيف كان يراد منه تطويع العقول، لتتقبل عن ضيق نظرة منطق تحويل الثانوي الى الجوهري، لتخرج بالتالي مغتبطة باكتشافها الذي سيقت اليه سوقا عنيفا ولينا من الاعلام، ومن شدة الفرحة تحفزت الى التقاط المزيد من السلبيات للنظام السوري، وكأنها الفاعل بالسياسة لا المفعول بها.

أمينا على الفكر الماركسي، يخطو رفيقنا الراحل في تحليله من العام الى الخاص،من الخطوط العريضة الى التفاصيل، من الجوهري والاساسي الى مكوناته، فتخرج مقالاته رائعة في الاتساق، توضح السابق ليسهل فهم اللاحق، واللاحق بعد مناوءة الامبريالية، هو محك الهزيمة والنصر فكانت مقالته الثالثة.

 

 

* * الجزء الثاني * *

 

 

 

  • إنسيابية التحليل:الخارق هو بارقة النصر في دجى القطب الواحد.

 

يمكن القول بأن المقالة الثالثة في شقها الاول تحدد جذر عداء الثالوث الدنس المزمن للنظام السوري، ومن ثم تعيد البرهنة على الرابط الطبقي والمصالح المتشابكة بين طواغيت المال العربية والامبرياليات.
 فيض المعلومات الاعلامية تكاثفت فاستحالت لدى البعض الى أكمة تحجب الضوء، واختلط الحابل بالنابل، وهناك من انبرى للكتابة وهو لا يدري كوعه من بوعه، فكان ان شاع التحريض على النظام السوري بدعوى هدوء الجبهة الجولانية، او لاشتراكه في حرب الخليج الثانية، او لخضوعه لابتزاز الادارة الامريكية في اعقاب احداث ايلول في التحقيق مع الجماعات المقربة للقاعدة، وهناك من عاد يبكي بعد طول نسيان مخيم تل الزعتر، والذي لم يحظ عبر العقود باهتمام كما احتفي به عند الازمة السورية،وسط زحام البلبلة، وفوضى الاستنتاجات، والترنحات الفكرية، يحدد رفيقنا الراحل الامر الاساسي في مقالته الثالثة على الشكل التالي:
"أن يضطر جيش الاحتلال الاسرائيلي للانسحاب دون قيد او شرط من الجنوب اللبناني، وبسبب الضربات المثابرة التي انزلتها به المقاومة اللبنانية – وفي مقدمتها تلك التابعة لحزب الله - لم يكن بالحدث العادي. خصوصا وانه جرى في ظروف عالم القطب الواحد، لامبريالي، وبعد مرور عقد من السنين على انهيار القطب الثاني المضاد، الاشتراكي. وما زال الكثيرون منا يتذكرون المتباكين على انهيار الاتحاد السوفييتي، من ناشري الإحباط بين الجماهير على شتى اصناف انتهازياتهم، بهدف التغطية على تقاعسهم وتراجعهم عن المواقف الثورية المعادية للامبريالية، مفسحين المجال اوسع امامها للبطش بمكاسب حركة العمال الثورية وحركات التحرر القومي جاء حدث الرابع والعشرين من ايار عام الفين ليرسي بداية النهاية للنكسة في منطقتنا. وليثبت ايضا، ومجددا، صحة التقدير الذي وضعته الحركة الشيوعية في عهد لينين، وتابعته لاحقا، وهو ان مسيرة البشرية قد دخلت منذ انتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية منذ (1917) مرحلة جديدة من التطور هي مرحلة الثورات الاشتراكية والتحررية الوطنية. وان هذا الاتجاه للتطور لا راد له، حتى وان اعترضت سبيله عقبات، اوقعته في كبوات وتعرجات،الا ان هذه تكون مؤقتة مهما بدت طويلة.

وكما فتح هذا الحدث أبواب الأمل من جديد أمام حركة التحرر الوطني العربية، فتح بالمقابل أبواب القلق والمواجع امام صانعي النكسة والمستفيدين منها. فتداعوا الوضع وتنفيذ الخطة لضرب مجترح ذاك الحدث ومسانديهم، ولمنع عدوى هذا الحدث من الانتقال الى مواقع اخرى في هذه المنطقة الغالية على قلوبهم بموقعها وثرواتها، دون شعوبه".
الاساسي والجوهري الذي يشير اليه رفيقنا ان النظام السوري صمد في مقاومته للامبريالية في ظروف القطب الواحد، وللتذكير بان انهيار الاتحاد السوفييتي حدت بالكثير من دول واحزاب الى التنازل عن عتادهم الفكري والسياسي، وعن اسمائهم ومسمياتهم، والفرار من الخنادق طلبا للسلامة، وطمعا في المغانم. لذلك فان انتصار المقاومة في لبنان وتحديدا في ظروف القطب الواحد لم يكن حدثا عاديا بل استثنائيا شديد الاستثنائية وبدون النظام السوري ما كان لهذا الحدث ان يقع، والذي شكل نهاية للانتكاسات، والاهم انه فتح باب الامل لقوى التحرر والوطنية عالميا. ان الذي لا يفهم عظيم دور النظام السوري ما بعد الانهيار وطلوع الانتصار التحرري الاول ليس بالسياسي من درجة مبتدئ. ان انتصار المقاومة اللبنانية كان انتصارا على تلك المقولة التي راجت بعد الانهيار بان عهد انتزاع الحقوق بالنضال والكفاح ولى وبان الحقوق تستجدى بالمفاوضات وكان اصحاب تلك المقولة هم اصحاب القوة. لذلك من الواضح والاكيد ان قوى الثالوث الدنس راعتها واخافتها عودة النضال كاداة انتزاعية للحقوق، فكان ان تنادت فيما بينها لمواجهة ايران وسوريا والمقاومة، خاصة وان انتصار عام الفين تكلل بانجاز آخر في عام 2006.

 بعد أن يضع رفيقنا الراحل نقاط الوطنية على حروف النظام، وكمحلل سياسي ثاقب النظرة يحترم قراءه يمر على كل الاحداث في المنطقة التي احاقت بالنظام السوري، ليسردها على النحو التالي، اعادة احتلال الارض الفلسطينية 2002، الحرب على افغانستان والعراق ودارفور، فرض الحصار على القطاع، الحرب على لبنان عام 2006، التهديدات الامريكية لسوريا وايران، اغتيال الحريري وتوجيه الاتهام لسوريا ومن ثم الى حزب الله، الغارة على موقع في الشمال السوري، كل هذه الضغوطات ومغازلات السعودية وقطر وتركيا لم تستطع ان تجر النظام السوري الى محور التواطؤ، ولا ان تستدرجه بالابتعاد عن حلفائه، ايران والمقاومة في العراق لبنان وفلسطين.
إن ما كتبه رفيقنا هو تفنيد لكل الخدع الاعلامية المنتقاة بحذاقة لآذان واذهان الوطنيين، والتي سعت الى اقناعهم بان اقطاب الثالوث لا تملك المصلحة الاستراتيجية للاطاحة بالنظام السوري، لذلك فهي اقرب الى التردد والتأرجح، واما مواقفها فهي محض عناية بالشعب السوري، وسعيا لحقوقه. وللحقيقة فان من لاحق شفاه سياسيي الامبرياليات تاه واعياه الهرولة من تصريح الى آخر مغاير، دون ان يدرك بان شفاههم اعدت خصيصا كفخ لاصطياد العيون وفقأها، لكي لا ترى ما تقترفه ايديهم اسوة بحلفائهم على الارض السورية من دعم مادي عسكري اقتصادي واعلامي.

إن  ما يسعى اليه رفيقنا هو القول، بان الاحداث في سوريا لا تقرأ بمعزل عن التاريخ واصطفاف القوى وهي ليست  وليدة الداخل المعزولة عن الفضاء الاقليمي والعالمي، لذلك فمن الطبيعي ان ينهي سرده حول فشل المحاولات لحذف سوريا عن المسار الوطني،  بالعبارة البينة اشد الوضوح،  " هذا هو الامر الحاسم والاهم الذي بسببه تتعرض سوريا ومنذ اواسط آذار الماضي الى موجة جديدة من العدوان الدعائي والدموي هي الاشرس من كل سابقاتها...".

ما خفي في السياسة اعظم خاصة عند وقوع النوازل وحدوث الزلازل. العين ترنو فلا تجد سوى الغموض وحلكة لا نفاذ اليها، والاذن تسمع فلا تدرك سوى اللغط. اما من اوتي عينا تستشف، واذنا تميز دبيب الخطر عن همسات النسائم العليلة، فقيل عنه ماركسيا صاحب حس ثوري وطني. والماركسية اولت اهتماما بالحس، وذاك ادراكا منها ان الوعي ليس حصينا وعرضة للتشويه، لذلك املت بان يكون الحس حزام الامان الثاني الذي يقي الرفيق شر الوقوع في مهاوي شرك الاعداء. واما رفيقنا الراحل فقد اوتي من الوعي حصنا للحس ومن الحس سندا للوعي.وهو بعد عناء التحليل، الذي بلغ مبلغ الجزم في ان للثالوث الدنس مصلحة استراتيجية قصوى في انهاء النظام السوري، يطلق الوعي والحس على سجيتهما لتستقرآن الاحداث السورية فتنفيان عنها ما اريد لها اعلاميا ان تكون حلقة من حلقات الانتفاضات الشعبية، ولعل فيما كتبه رفيقنا الراحل وعيا وحسا ما يوفر عناء الشرح:

"اما اختيار التوقيت الدقيق لاطلاق هذه الموجة الجديدة من العدوان على سوريا فيدل على ذكاء مطلقيها الخارق فقد اراد مطلقوها ان تظهر وكأنها حلقة من سلسلة الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت عددا من الاقطار العربية ضد أنظمتها الفاسدة والعميلة. والتي بدأت بتونس ولحقتها مصر، واليمن والبحرين وان النظام السوري واحد منها! ولكن كل من على كتفيه رأس يفكر سيكتشف ان بضعة الاسابيع التي فصلت ما بين تاريخ سقوط حسني مبارك، او ما بين بدء انتفاضة شعب البحرين، وموعد اطلاق موجة العدوان على سوريا، لا يمكن ان تكون كافية – ولا أضعاف أضعاف أضعافها – لاعداد ما تكشفت عنه حتى الآن هذه الحملة العدوانية الشرسة على سوريا. ولذا فان هذا الخداع الامبريالي لن يمر وينبغي ألا يمر."

لقد بات من المؤكد اليوم بان الحراك المصنوع سوريا، لا يشبه ولا يمكنه ان يلائم هذا الضرب من الحراك الذي نعايشه، فالنار التي قدحت زناد الازمة خارجية ومكوناتها باتت معروفة للقاصي ولما بعد بعد القاصي، وهي المال والسلاح والاعلام والتحريض المذهبي المقيت. لهفي على تلك الفئات التي استدرجت للاستجارة  بلهيب يلتهم كل عشبة خضراء ندية، دون تلك الصفراء، لتتلون سوريا باصفرار المرض وسواد الموت، ولكن دون ذلك السواد الاعظم من شعب سوريا الوطني.

 

 

  • انسيابية التحليل: الانقسام الطبقي وتبادل وتقاسم الادوار.

 

قليلا ما يلتفت المحللون الى الدور السياسي لدهاقنة المال في العالم العربي والخليجي تحديدا. ان لاموال الرجعية العربية يدًا بارزة في الردة الساداتية، وفي طعن حركات التحرر في المنطقة وفي العالم بأسره. المقالة الثالثة تقف على تحالف المصالح الطبقية بين تلك الطواغيت العربية مع الرأسمال الامبريالي، ويكتب رفيقنا ما يلي:
" وقد تراكم في ايدي هذه الشريحة مبالغ هائلة من رأس المال المالي أهّلتها للمشاركة – مشاركة الند للند- في التكتلات المالية العالمية وفي الشركات الما- فوققومية – المتعددة الجنسيات- التي قامت وتعاظمت في نفس تلك العقود. اي ان هذه الشريحة دخلت ولو متأخرة – كجزء عضوي في تركيبة الامبريالية العالمية. وصار عليها "ان تدفعبالدية كما تأكل بالدية" كما يقول مثلنا الدارج. والامثلة على شراكة الرأسمال العربي مع رؤوس الاموال الاجنبية عديدة جدا...".

 بعد توضيح صلة المصالح الطبقية، تأتي المقالة الرابعة لتميط اللثام عن الاسباب التي حدت بدهانقة العرب ودولها ان تنزع قناع الوحدة العربية، وبالتالي ان تنتقل من مناهضة النظام السوري في السر والظلال، الى العلن وتحت الشمس الساطعة. الاساس ان مخلب القط الامبريالي اسرائيل، باءت حربها في 2006 بالفشل، واصبح محور الممانعة بمكوناته عقبة كأداء لا بد من ازالتها. الخياران المتاحان أمام أقطاب الثالوث، حرب علنية، او حرب استنزاف داخلية. الاولى محفوفة بالمخاطر ومنهكة لاقتصادات الدول الامبريالية التي تئن تحت طائلة ازماتها الاقتصادية، والثانية تحتاج الى بلبلة الرأي العام العربي وكسب وده، وهذا لن يتم الا باخراج الشركاء العرب الى العلانية، وتحويلهم رأس حربة، باسم العروبة والاسلام.
في الفقرة التالية يحدد رفيقنا الراحل دور وموقع قوى التحرر والتقدم حيال الازمة السورية، والاهم انه يحسم بصورة لا لبس فيها ان التغيير الحقيقي والعميق في سوريا لن يتم الا عندما تنحسر غمامة الازمة، وتبان خيوط فجر النصر على قوى الغي. وقد صيغت متينة من حيث المبنى السياسي، في جانبها رد على تخرصات الثورجيين، وفي جانبها الآخر محاولة لاعادة الرشد لمن ثمل بخمرة الاعلام حول "الثورة السورية"،ولكنها لا تغفل عن تذكير قوى التحرر بواجبها، واجب الارتقاء ببرامجها وبادائها بما في صالح الجماهير، لتغدو قوى تحرر وطني واجتماعي:
"إن هذا الفرز الطبقي بين الامبرياليين الجدد ومجروراتهم وبين المناضلين وشعوبهم ضد الامبريالية بضواريها القدامى والجدد،هو بمثابة هدية غير منتظرة الى الثوريين والوطنيين الطليعيين الذين يجدر بهم ان يشكروا مُهديها ولو انه "مُكرها اخاك لا بطل ". فهذا الفرز اراح الثوريين و الوطنيين الطليعيين من اعباء معركة طويلة كان عليهم ان يخوضوها بين كفاح وتوعية بين شعوب هم لاقناعها بان أعداءها الطبقيين – أي مستغليها ومضطهديها يخدعونها تحت قناع "الاخوة العربية" و "الاخوة الاسلامية" حتى يواصلوا استغلالهم واضطهادهم لها. كما أن هذا الفرز سيساعد حركات التحرر الوطني على ترقية برامجها وتنفيذ برامجها لصالح جماهير شعوبها الكادحة، اكثر فاكثر لتغدو حركات تحرر وطني واجتماعي في نفس الوقت وهذا ما اعتقد انه سيتم في سوريا قبل غيرها و حال انجاز انتصارها الحتمي على مثيري حرب الاستنزاف الامبرياليين العريقين والجدد. ومن هنا استعارتي لمقولة: من المر يخرج الحلو".
رفيقنا الراحل لا يترك القراء صرعى للحيرة حول مآل الوضع السورية، بل يقر مسبقا بحتمية انتصار سوريا، وذاك استنادا على تجارب شعوب أخرى واجهت قوى العبث والارهاب الامبريالي وانتصرت. ان الانسجام الوطني بين الغالبية السورية والنظام، لا يمكن لاية قوة ان تقهره.
إن النصر في سوريا له مدلولات سياسية تفيض عن مساحة ذاك القطر، وتتجاوزه، وهو في كل المفاهيم سيدخل التاريخ، وحول هذه الافكار يكتب رفيقنا ما يلي:
"إن سوريا التي بشعبها وجيشها ونظامها تذود عن سيادتها وحريتها اليوم انما تخدم ايضا وفي الوقت نفسه مصلحة كل شعوب هذه المنطقة بما فيها شعب الاكثرية في اسرائيل – الذي ما زالت اكثريته الساحقة مخبولة بدماغوغية الصهيونية. وهذه الشعوب التي شربت كأس المر الامبريالي على مدى قرن ونيف من الزمان لن تنسى لسوريا فضلها هذا. وسيأتي يوم، وهو ليس ببعيد، تحني فيه هذه الشعوب رؤوسها احتراما لسوريا وتشكرها على ما قدمته لقهر العدو الامبريالي المشترك ولتنظيف المنطقة من وجوده".
وفي الختام وببليغ العبارات ينزل رفيقنا الراحل اولئك من اصحاب الهمم الى منزلتهم، ونعني تلك الفئات من الجماهير العربية التي وجدت في سوريا ميدانها للنضال فاخذت تعزف لحن الامبرياليات وكل الرجعيات الحزين والمقيت المناهض للقيادة السورية. واما قولته الناهية فكانت لا تتخذوا سوريا بديلا عن النضال في ميادينكم، هنا الميدان للنضال ضد الاحتلال الاسرائيلي للاراضي السورية، وهنا العدو الاساس، وخلاف ذلك يقول رفيقنا " فهو نفاق تمارسونه لصالح اسياد الدولة الشوفينيين المعتدين". برأيي ان هذا النفاق يمارسه  من يحتاج الى اعتراف بديمقراطيته، وهو اشبه بالجري وراء السراب، فاسرائيل والدول الامبريالية لا تسبغ على احد صفة الديمقراطي مجانا- وهي من واقع انظمتها وممارساتها غير مخولات اصلا- دون ان تتقاضى تنازلا في الموقف الوطني، ودونه فان الثريا اقرب.

 

 

  • رصيد في وجدان كل قوى التحرر

 

هذا الاسهام الفكري السياسي لرفيقنا الراحل نمر مرقس بالغ الاهمية، خاصة وانه صدر من لدن قيادة سياسية ميدانية رفيعة، لها تجربتها ومعرفتها ومعارفها المكدسة والمكتسبة عبر عقود من الاحتراف السياسي والنضال الجماهيري. والحاصل ان قوى الثالوث الدنس اخذت تتلمس للاحداث في سوريا شرعيتها، والشرعيات في منطقتنا مختلفة المشارب الفكرية، فكان ان انتزعت اواستحصلت على وفرة من الشرعية الاسلامية، وعلى وفرة من الشرعية القومية، وعلى القدر ذاته من الشرعية الليبرالية او العلمانية، واما "الشرعية  الماركسية" فكان هناك من انتدب في العالم العربي ليقوم بالمهمة، ومن هنا يكمن عظيم اسهام رفيقنا في تحليله الماركسي للازمة السورية، لكونه ساهم في رد الاعتبار للماركسية  ولونها الاحمر، ودحض تجييرها لخدمة الثالوث الدنس، انتصارا للشعب السوري حصرا.
سعيت الى ايفاء مأثرة رفيقنا الراحل الفكرية والسياسية في المسألة السورية حقها، ومثله يكتب عنه تقريظا دون الخوف على المداد ان يخف او يجف. يقيني ان الشعب السوري سيرد على امتنانا باحسن منه، فمن ناصره في معركته ضد الثالوث الدنس سيحسب من تاريخه، وضمن شخصياته، وفيلقا من جنوده، واذا كانت اعمال وكتابات رفيقنا الراحل القائد نمر مرقس من وجدان شعبنا وبين دفتي تاريخه، فان ما خطه بالنسبة لسوريا باق في وجدان كل الشعوب وقواها التحررية.

 

وداعًا رفيق، وداعا أيها القائد.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الهجمة على الحيز الديمقراطي في جهاز التعليم - التحدي التربوي

featured

خوف الطغاة من المدنيات!

featured

ليس دفاعًا عن أيمن عودة..!!!

featured

رسالة "يوم الارض" لم تنته بعد!!

featured

غزة من الحصار إلى الحديد والنار... يا للخزي ويا للعار!!...

featured

الخطر تأجّلَ ولم يزُل!

featured

"جزاء سنمار"