ألجثث تتناثر على أرض غزة وأشلاء البشر تتطاير في الهواء وأعمدة الدخان تتصاعد نحو الفضاء ورائحة الدماء تزكم الأنوف... وتحت الأنقاض دفنت الناس وهي أحياء... أهوال تقشعرّ لها الأبدان!!... صور حية تأتينا تباعا من جحيم لا يطاق!!...
بعد شهور من حصار لا إنساني ولا أخلاقي خانق جائر وإغلاق لكافة المعابر، استنفد ما في حوزتها من ماء وغذاء ودواء واستنهك قواها، وبعد أن تضور الآلاف جوعا وعطشا وباتوا ليلتهم على الطوى، تأتي هذه الآلة العسكرية الجهنمية لتقذف حممها باستمرار من البر والبحر والجو ومن غير هوادة على جموع من السكان الهائمين على وجوههم الهاربين من الموت إلى الموت!!... والطائرات الأمريكية الحديثة الصنع تحمل الموت الزؤام وهي تقصف ليل نهار كل ما هو على الأرض لا تميز بين منزل ومدرسة ومسجد ما دام فيها فلسطيني يتحرك!!... آلة القتل هذه التي لا تشبع ولا تقنع، لن تتوقف عن القتل ولا يوجد في هذا العالم المتخاذل من يستطيع أن يوقفها!!...
ويجمع جميع الأحرار في العالم، وبدون استثناء، من زعماء وشعوب وكل من يجري في عروقه دم إنساني، على أن ما يجري اليوم في غزة يشكل بكل تأكيد بقعة سوداء في تاريخ البشرية الحديث ولطخة عار في جبين الإنسانية!!... ومن المثير للدهشة والاستغراب أن من يقوم بهذا هم أحفاد من عانوا بالأمس القريب من أهوال "المحرقة" وذاقوا فظائعها واكتووا بنارها، يدعمهم على ضلال، غرب منحاز ضال بدل أن يردعهم عن ذلك من أجل مصلحتهم، وكان من المفروض أن يمتنعوا عن ذلك لئلا يعطوا التاريخ ذريعة ليعيد نفسه!!...
أولئك الذين يدّعون أنهم أبناء الحضارة أو (الهمجية) الحديثة، على حد سواء، يظهرون على شاشات التلفزة باستهتار شديد وهم لا يخفون عدم اكتراثهم لهذه المناظر البشعة التي اقترفتها أيديهم دون أن يرمش لهم جفن، والتي يشيب لهولها الغربان،... هذه هي "مدنيتهم" عديمة الإنسانية، الزائفة والزائلة، التي يتباهون بها!!... تقتل البشر كما تقتل الحشرات والهوام وتتهم غيرها بالقتل والإرهاب والإجرام ثم تذهب لترقص أو لتنام!!...
ِجنرالات الموت يعربدون ويرقصون رقصة الشيطان في سماء غزة... آلهة حرب على هيئة بشر يظهرون في شكلهم الخارجي وهم يرتدون أحدث الأزياء الأنيقة وينتعلون الأحذية الغالية الثمن ويتحدثون بلغة "مهذبة" وفي داخلهم استوطن الشيطان وكشّر الوحش عن أنيابه وان هذه الملابس مهما كانت زاهية لا تستطيع أن تخفي سواد قلوبهم ونفوسهم المتعطشة للدماء كأسماك القرش وقد فتحت شهيتها رائحة الدم الفلسطيني المسفوك!!... هؤلاء هم عساكر الجيش "الراقي جدا" المتعطشين للدماء... المنتشين المتلذذين على أنّات الجرحى والراقصين على جثث الموتى... وقد ماتت فيهم آدمية الإنسان!!...
غرائزهم الوحشية وأفكارهم الجهنمية ونواياهم الخبيثة وحقدهم الدفين يفرغونه بالضغط على محركات طائراتهم الأمريكية "المتطورة" لتزهق أرواح البشر الأبرياء من رجال وأطفال صغار ونساء خلال ثوان معدودات متحدّين العالم بأسره وكل مؤسساته الدولية والشرعية والإنسانية ضاربين عرض الحائط بكل قرارات الأمم المتحدة (المخصيّة!!) التي بقيت عشرات السنين حبرا على ورق وستبقى تسخر من صانعيها وتنعى كاتبيها!!...
وتنهار المنازل والمدارس والمساجد على رؤوس ساكنيها، أمام سمع العالم وبصره بما فيه العالم العربي المشلول أصلا، الذي يقف عاجزا عن وقفها، لتُدفن تحت أنقاضها أطفال في عمر الورود، لم تتفتح أكمامها بعد، وهم في أحضان أمهاتهم وقد مزقت قنابلهم "الذكية" أجسادهم الغضة!!...
ويغلي الغضب العارم في صدور الملايين في كل أنحاء العالم من جراء هذه المناظر البشعة وتتقزز النفوس لهذه الوحشية غير المسبوقة في التاريخ!!... وتبقى هذه الجموع المؤلفة التي لا تملك سوى حناجرها تطلق صرخاتها في الهواء غضبا واحتجاجا على هذه الجرائم ومرتكبيها ولا من يكترث لصراخها وغضبها !!... وتبقى آلة الحرب الجهنمية هذه تدور دورتها وترقص رقصتها بكل وقاحة وباستهتار رهيب!!...
بقي أن تعلموا أيها السادرون في غيكم!!... أيها اللاهون في ألعابكم العسكرية الخطرة!!... يا هواة الحرب!!... وان كنتم غير آبهين لبكاء الأطفال ولصرخات الاستغاثة يطلقها آباؤهم وأمهاتهم، ولا للرأي العام العالمي ولا لغيره، بأنه سيدرككم نفس المصير القاتم ولو كنتم في "بروج مشيدة" أو في بروج طائرة!!... تماما كما أدرك غيركم من الطغاة والظالمين على مر الدهور وكر العصور... ولو سألتم أنفسكم أين من سبقوكم من السفاحين والقتلة والجلادين لأجابتكم القبور!!... لا تسكروا من نشوة "انتصاركم" الجبان على الأطفال والنساء، الآني والزائل، لأنه لم تدم نشوة نصر أرضي عابر، مهما كان، على وجه هذه البسيطة وعبر التاريخ الطويل غير لحظات معدودات وستصحون لاحقا على هول هزيمتكم على الصعيد الإنساني!!...
كم ستكتشفون، وأرجو أن لا يكون ذلك قبل فوات الأوان، عندما تعودون إلى رشدكم وترتدون عن غيّكم وضلالكم، كم كنتم مخطئين بحق أنفسكم أولا وبحق أطفالكم وأحفادكم من بعدكم...
إن التاريخ لا يرحم، وقد أوصلتكم عملياتكم الهمجية، عديمة الشفقة والرحمة والتي لا تتوقف، رغم مطالبة العالم الشديدة بوقفها الفوري والتنديد بها وبكم، بحق الأطفال والنساء، إلى حد ارتكاب جرائم حرب وقادتكم إلى حد ارتكاب إبادة جماعية، وان هذا التاريخ سوف يحاسبكم عليها لا محالة... وان كانت المحافل الدولية لا تجرؤ على تقديمكم للمحاكمة لأسباب نعرفها جيدا إلا أن محاكم الشعوب، وهي عادلة، قد أصدرت أحكامها عليكم وقد قيل قديما: "إن صوت الخلق من صوت الحق"...
إن هذا الوضع المزري لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية وساعتها ستندمون ساعة لا ينفع الندم!!... فاستفيقوا ولو ساعة واحدة قبل فوات الأوان وقبل أن يدرككم المصير إيّاه لأن الحرب التي بها تؤمنون قد أثبتت فشلها ولأن القتل ليس هو الحل بكل تأكيد... واعلموا أن هؤلاء الذين تقتلونهم هم في النهاية جيرانكم، شئتم أم أبيتم، الذين يجب أن تعيشوا معهم بسلام لا أن تجلبوا عليهم الموت الزؤام!!... واعلموا أيضا بأنه لا خيار أمامكم غير العيش المشترك مهما أشعلتم من حروب وأما الخيارات الأخرى فهي كما تعلمون محض انتحار!!...
