دوّار الدجاني ودُوار رأس "المسلمة بشرى"!

single

لا أعرف عضو بلدية تل أبيب - يافا أحمد مشهراوى، لكن أن يسعى شخص ويفتش ويضع نصب عينيه هدفا فلسطينيا كان غائبا، مشردا، ويُخرج بصمة غير معترف بها لتكون مكانا في غابة تتميز بكثرة الحرائق والقطع ببلطة العنصرية، فهو أمر يستحق كل التقدير والاحترام والإشادة.
مشهراوي سحب الوجود الفلسطيني في يافا من تحت ركام التاريخ والغياب، ليمنحه بطاقة دعوة للعودة اللفظية، وهذا يستحق التأمل والشد على الأيدي. لقد سعى مشهراوي لكي يطلق اسم الدكتور فؤاد الدجاني على الدوار الذي يقع بجانب المستشفى الذي أسسه في مدينة يافا، ونجح في سعيه الذي لا نعرف كم من ألغام الرفض نزع، وكم من ديناميت السخرية فجّر، لكن في النهاية رفع الستار عن اللافتة التي تحمل اسم الدكتور الدجاني.
والقضية تصبح هنا ليست مجرد لافتة عبثية، بقدر ما هي اعتراف بحقيقة التاريخ الأعمى والأطرش، وان التجاهل ليس لصا ذكيا يسرق خزنة الزمن ويمضي منتصرا، بل التجاهل هو اللص الغبي الذي يسرق ويبقى ريش الحقيقة والحق على رأسه. وكلما مر الزمن من أمامه أشار إليه باصبعه قائلا: هذا الذي سطا على مزرعة التاريخ وأراد حرثها وإخفاء معالمها..! والدكتور فؤاد الدجاني من مواليد مدينة القدس، لكن عاش في مدينة يافا. تخرج من كلية الطب من جامعة "كامبردج" عام 1920. وهو من الأطباء الذين أشرفوا على صحة الملك جورج السادس، والد الملكة اليزابيت. وقد قام ببناء مستشفى كبير، حتى أصبح من أهم المستشفيات في الشرق الأوسط، وافتتحه عام 1930. وقد مات الدكتور الدجاني عام 1940، بعد أن تعرض لعدوى من أحد المرضى، ليدير المستشفى بعد ذلك ابن عمه. لكن عام 1948 وضعت إسرائيل يدها على المستشفى وأهملته، وتحول بعد ذلك إلى مقر لجمعية خاصة برعاية العجزة.
دوار الدجاني في مدينة يافا الآن هو فتح ذاكرة الضحية، مع أن عطر يافا كمدينة ما زال في الهواء والسماء والكتب والخرائط والنفوس والآهات والزفرات والجسور المحطمة واللجوء والانتظار، وذاكرة العجائز وخيالات الشباب، والمكان الذي تقوقع في القفص الصدري الفلسطيني. دوار الدجاني في يافا قد يفقأ عين الصهيونية، ويطرد المقولة التي تحاول التقليل من الوجود الفلسطيني قبل عام 1948، ليثبت اننا كنا هنا وما زلنا هنا ولن نرحل عن هنا. لكن في المقابل هناك إهمال من طرفنا، أقصد رؤساء السلطات المحلية والبلديات العربية، الذين تناسوا عن قصد وبدون قصد الكثير من الشخصيات التي قدمت للوطن. شخصيات دافعت وقاومت وأعطت ثقافيا وسياسيا واجتماعيا.

  • بُشرى غير سارّة!


وفي الوقت الذي نتشبث فيه بوجه وصفحة وتراب وذاكرة، ونفرح بدوار يقام في مدينة تلاطم المخرز، وتحاول إثبات نفسها وهويتها وسرقة لحظة من عمر أصابه الاهتراء، في هذا الوقت هناك من يصمم على اغتيال ما تبقى من الذاكرة الوطنية ويمارس ضرب الجسد الفلسطيني بقضبان من حديد ساخن. فبين فترة وفترة تقوم وسائل الإعلام الإسرائيلية بإغاظة المجتمع العربي. تمد لسانها لنا وتقول لنا: ها هي الوجوه العربية التي نتاجر بها. بشرى خلايلة امرأة من دير حنا، الظاهر انها تعيش في أزمة مديح، فلم تمدح الظل العالي - رحم الله شاعرنا محمود درويش - فمدحت الظل الواطئ، ولم تجد الا مدح دولة إسرائيل. بشرى لا تحمل البشرى، لأنها انضمت إلى طاقم الدعاية الإسرائيلية لمواجهة أسبوع الابرتهايد في جنوب افريقيا.. بشرى تدافع عن دولة إسرائيل وعن ديمقراطيتها..! هي تعيش في مساواة تامة وحاصلة على جميع الحقوق، وبذلك ستخمد الأصوات التي تنشط ضد الأبرتهايد الإسرائيلي وضد الاحتلال. ستغلق أفواه رؤساء الجامعات في العالم الذين ينادون بالمقاطعة الأكاديمية للجامعات الإسرائيلية..!
وقد ركز الإعلام الإسرائيلي على "بشرى المسلمة"، التي ترتدي اللباس الشرعي، إذ صرح المسؤول عن الدعاية ان بشرى وغيرها جزء من السلاح السري للدعاية الإسرائيلية.. لا ندري إذا رجعت بشرى مع الوفد الإسرائيلي فستخرج من المطار بكامل حماسها الإسرائيلي..! حتما سيعاملونها كعربية، ولن يهمهم ماذا قالت وفعلت. في النهاية هي عربية في رتبة "مخربة"، أو في أحسن الحالات "مشبوهة". ولتنظر السيدة بشرى لتاريخ الشخصيات العربية، الذين مدحوا الدولة لدرجة الذوبان في وحل التزييف. لقد منحوها شرفهم وسمعتهم، وتجاهلوا معاناة أهلهم، لكن نهايتهم كانت تحاط بالغربة والابتعاد والشك والحذر، والتقرب إليهم بحاجة إلى غفران ونسيان، وهناك من لا يغفر وينسى.
نطالب بشرى خلايلة بالاعتذار لنا، الاعتذار من الذي صودرت أراضيهم وهدمت بيوتهم، من سكان القرى غير المعترف بها، من... من... القائمة طويلة جدا. من الصعب ان تحوّلي هذه القائمة المفجعة، العنصرية، إلى زينة تزينين فيها سيارة الصهيونية المندفعة لدهس الوجود الفلسطيني!

قد يهمّكم أيضا..
featured

المفكر اليساري البارز نوعام خومسكي: النزعة الأمريكية-الإسرائيلية الرفضية مستمرة

featured

العدوان المتدحرج

featured

وبالتركي أنتم مجرمون !

featured

فقر الدم في الشيخوخة (2-2)

featured

وأنــا كَمِــــــان

featured

إسرائيل ليست دولة اليهود

featured

صمودا ... حتى العودة