صورة عن رد كامل البديري على رسالة الإخوان إليه
*كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين
*اغتيل عام 1923 أثناء رحلة لجمع السلاح في الجزيرة العربية
فيما يلي النص الكامل لرسالة كامل البديري إلى منير:
"أخي منير بك المحترم،
سلام وأشواق وبعد منذ وصولي القدس لم أترك بابًا لأجل تأمين المقصود إلا وطرقته ولولا حوادث فلسطين الأخيرة لتوفقنا لما نحب ومع ذلك لا أزال قوي الأمل بنيل المطلوب في عودة الإخوان المعول عليهم من نابلس ويافة حيث ذهبوا لأجل الوقوف على نتائج الحوادث الأخيرة وعلى كل حال بهذين اليومين لا بد من عودتهم ورجوعي إليكم إما موفقًا وإما خائبًا وفقنا الله لما فيه خير البلاد والعباد ومن خصوص حوادث فلسطين الأخيرة كانت حسنة جدًا والنصر فيها كان للوطنيين وها أنا أنقل إليكم خلاصة الحوادث التي وصلتنا لتقفوا على الحقيقة. في أول مايو قام العمال اليهود بمظاهرة كبرى في يافة وبوصولهم إلى محلة (تل أبيب) على أثر تظاهرهم بالبلشفية وهتافهم لمبادئ موسكو وإسقاطهم رؤساء الصهيونية وكل المتمولين قام اليهود عليهم وطردوهم من المحلة المذكورة وبوصولهم بالقرب من محلة المنشية تعرض لهم بعض أفراد البوليس الوطني وحاول تفريقهم فأبوا التفرق وهجموا على أولئك الأفراد وضربوهم وعلى أثر استغاثة هؤلاء بالواقفين من أهل الوطن انتصروا لهم الوطنيين واشتبكوا بالقتال مع أولئك العمال ومع كل يهودي صادفوه ودامت الثورة مدة ثلاثة أيام قتل أثنائها 104 أشخاص من اليهود وجرح مقدار 240 وقتل ستة عشر شخصًا من الوطنيين الإسلام واثنين من المسيحيين وجرح من هؤلاء قريب الستين شخصًا ويقال أنه بالهجوم الواقع على مستعمرة ملبس قتل من اليهود مئة وأربعون شخصا ومن إسلام قرية اليهودية ثلاثون ومن عرب أبو كشك أربعون وثبت لدى الجميع بأن قتلى الوطنيون بهذه المستعمرة سقطوا برصاص الجند لا برصاص اليهود وأما الوطنيين الذين هجموا على مستعمرة ديران فقد تمكنت الجنود الإنكليزية والطيران من ردهم على المستعمرة بعد أن قتلت منهم شخصين وحوالى الخضيرة قتل الوطنيين ثلاثة أشخاص من اليهود وأخذوا الكارّات التي كانت مملوءة بالأسلحة منهم وعلى أثر هجوم بعض العربان والقرويين على مستعمرة الخضيرة وردهم من طرف الجنود الإنكليزية قام أهالي نابلس وطولكرم بمظاهرات كبرى طلبوا من الحكومة إما أن تنزع السلاح من اليهود وإما أن تسلح الوطنيين ولا تتداخل بجنودها فيما بين الفريقين وحاولوا المسير إلى جهات ملبس ويافة غير أن الحكومة تمكنت من إقناعهم بالعدول عن ذلك وهذا بعد أن أحضرت لهم أناسًا من يافة ليطمنوهم ويوقفوهم على حقيقة الواقع وهكذا انتهى الحادث بانتصار الوطنيين على خصومهم ولولا أن الحكومة طوقت المستعمرات اليهودية بالجنود واحتاطت للأمر بالسرعة اللازمة لعمت الثورة جميع أنحاء فلسطين وقضي على وعد بلفور قضاءً نهائيًا ومع هذا فالحكومة اقتنعت بعدم إمكان تطبيق وعد بلفور المجحف وتأكدت بأنه لا يمكن انتهاء الثوران من هذه البلاد بغير القضاء على ذاك الوعد الباطل وعلى أثره ورد أول أمس برقية من لندن تبشر بصدور أمر الحكومة البريطانية بتوقيف الهجرة الصهيونية ونشرت ذلك جريدة مرآة الشرق بملحق مخصوص ولا شك فهي بشارة حسنة تسر الخاطر وأول أمس قدم المؤتمر وسائر الجمعيات الإسلامية المسيحية الاحتجاجات على إبقاء اليهود الذين أتوا بعد الهدنة إلى البلاد لنشر البلشفية داخل البلاد وطلبوا إخراجهم من الأوطان بأسرع ما يمكن والحكومة راجعت المراجع العليا بذلك والكل من أهل البلاد الآن مهتمًا بأمر جمع المال لأجل تسفير الوفد إلى أوروبا واليهود في غاية الكآبة والحزن بعكس الوطنيين حيث انتعشت آمالهم بعد هذه الوقائع وبالختام أهديك والإخوان فائق احترامي وأرجو عدم التسرع بالأمور لتكون خطواتنا التي سنخطوها متينة واستودعك الله إلى الملتقى أخي.
أخوك (توقيع محمد كامل البديري)
أنا منذ أول أمس طريح الفراش بالحمى ولم أخرج من الدار لغاية هذه الساعة وإلا كنت كتبت لكم من غير أن تكتبوا لي فالرجا المعذرة وإبلاغ أشواقي واحترامي لكافة الإخوان أخص منهم الأخ السيد رفيق هاشم والتماس المعذرة لي منه لعدم مخابرته على حدة بسبب مرضي مع إطلاعه على حوادث فلسطين لأنه من خيرة شبابنا الذين يفكرون بمصير البلاد وخيرها. ودمتم جميعًا محفوظين أخي. / م. ك"(12).
بناء على هاتين الرسالتين يمكن القول أن علاقة كامل البديري بالإخوان النجديين بدأت قبل أيار/مايو 1921، ما يعني أن كامل كان ينوي القيام بعمل مسلح في فلسطين قبل تقديمه الطلبات لإصدار جريدة "الصباح"، وتشكل هاتان الرسالتان تأكيدًا على ما ورد في مذكرات الدكتور خليل البديري أنه في حال خروج ابن عمّه كامل من السجن "شرع في جمع السلاح وتهريبه من شرقي الأردن وتكديسه هنا وهناك إعدادًا للثورة المسلحة ضد المحتلين الإنكليز والانتداب ووعد بلفور والهجرة اليهودية ونشاطات الصهيونيين في البلاد. كان يهرّب المنشورات والبيانات والنداءات التي تدعو إلى الثورة ومقاومة الاحتلال والهجرة" (13). فعندما أحكم الأمير عبدالله ابن الشريف حسين قبضته على شرق الأردن توقف تدفق السلاح على فلسطين، فلجأت الحركة الوطنية الفلسطينية وكامل البديري إلى الإخوان في نجد.
من المؤكد أن اتصالات كامل مع الإخوان النجديين كانت في غاية السرية، ويُفترض أن قلائلَ هم الذين اطلعوا على تلك الاتصالات، ومع أنه لا توجد معلومات كافية عن العلاقة بين الطرفين، إلا أنه من خلال الوثائق القليلة المتوافرة لدينا يمكن القول أن كامل زار نجد أكثر من مرة والتقى فيها الإخوان النجديين وأجرى معهم مباحثات بشأن العمل المسلح في فلسطين.
من ضمن الوثائق المتعلقة بكامل البديري وثيقة باللغة الإنجليزية موجودة في الأرشيف الوطني البريطاني من أيلول/سبتمبر 1922 تتحدث عن زيارة لكامل إلى نجد، وهي مترجمة إلى الانجليزية عن الرسالة الأصلية التي بعث بها كامل من نجد في الجزيرة العربية يبلغهم بأنه التقى "الأمراء الوهابيين" وبحث معهم مسألة الكفاح المسلح. ولأهمية هذه الوثيقة نورد فيما يلي ترجمة حرفية لها:
"هذه ترجمة (إنجليزية) لرسالة من كامل البديري إلى "النادي العربي"
(رسالة التقطت من ك. البديري يصف فيها نتائج مقابلاته مع الأمراء الوهابيين - التقرير السياسي لشهر أيلول/سبتمبر 1922)
كنت محظوظًا بأنني تمكنت من لقاء الأمراء الوهابيين وغيرهم وأن أشرح لهم الوضع البائس لفلسطين. كذلك أخبرتهم عن الصورة اليهودية لمسجد عمر ووزعت عليهم نسخًا منها. عندما شاهدوها هاجوا بشدة وعقدوا عدة لقاءات خاصة لمناقشة القضية الفلسطينية. فقرروا تنظيم غارات كأفضل وسيلة للتعبير عن الاحتجاج. لكنهم يجاهدون من أجل كسب أبناء الملك حسين إلى جانبهم. هدفهم إبعاد كل التدخلات الخارجية، وتوحيد الجهود العربية، واستعادة أمجادهم. في أحد لقاءاتهم أقسم الحاضرون بسيوفهم لافتداء فلسطين بأرواحهم وعدم السماح لليهود بأن ينعموا بالسلام فيها. وجرى جمع السلاح وانتشر الرجال على الحدود مع شرق الأردن. أعتقد أنه من الضروري الاتصال مع بني صخر وغيرهم وسيكون جيدًا إذا أرسلتم مبعوثًا ليرشدهم. مع أنني أشعر بالغربة هنا وتنقصني أشياء كثيرة، إلا أنني سعيد بأن أكون في صحبة هؤلاء الأبطال الذين يجاهدون من أجل الحفاظ على شرف العرب"(14).
تنبع أهمية هذه الرسالة من أمرين: الأول - هو التاريخ الذي تحمله الرسالة أي 16 شهرًا قبل مقتل كامل البديري في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1923 في وادي رم جنوب الأردن وهو في طريقه إلى نجد للقاء الإخوان النجديين. ما يكشف عن أن كامل زار الجزيرة العربية والتقى بالإخوان النجديين ثلاث مرات على الأقل، كانت الأولى تلك التي أشارت إليها الرسائل المتبادلة بين الإخوان وكامل الوارد ذكرها أعلاه، والثانية هي المذكورة في الوثيقة البريطانية، والأخيرة هي التي قتل فيها كامل.
يشار إلى أن المقصود في مسجد عمر الوارد ذكره في رسالة كامل البديري المترجمة إلى الإنجليزية هو الحرم القدسي الشريف، ولم تتوافر صورة عن النسخة الأصلية للرسالة باللغة العربية للتأكد من صحة ترجمتها إلى الإنجليزية. فمسجد عمر ملاصق لكنيسة القيامة، وكان الخليفة عمر بن الخطاب حضر لتسلم مفاتيح القدس من بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية صفرونيوس عام 637 ميلادية فرفض عمر عرض صفرونيوس الصلاة داخل كنيسة القيامة، فخرج وصلى على مقربة منها، فبُني في الموقع الذي صلى فيه عمر مسجدٌ ما زال قائمًا إلى اليوم ويُطلق عليه اسم مسجد عمر. لكن بعض المؤرخين الغربيين يخلطون بين مسجد عمر ومسجد الصخرة، وعلى الأرجح أن الأمر التبس على مترجم الرسالة. وما يؤكد هذا التقدير أن الدكتور خليل البديري روى في مذكراته أن كامل "كان يحمل معه في حملته الدعائية هذه صورًا عن الحرم القدسي الشريف ومسجد قبة الصخرة المشرفة وقد رفعت عليها نجمة داوود"(15).
الثاني - هو أن السلطات البريطانية كانت تتابع نشاط كامل البديري وتتعقب خطواته وتتجسس عليه. فمن غير المعقول أن تكون أجهزة الأمن البريطانية اطلعت على هذه الرسالة وتغاضت عن متابعة كامل البديري. وعلى الأرجح أن مضمون الرسالة أثار مخاوف السلطات البريطانية ودفعها إلى البحث عن وسيلة لوضع حد لتحركات كامل ونشاطه. لكنها كانت تعلم جيدًا أهمية المكانة الاجتماعية والسياسية التي تمتع بها كامل، وكانت ذكرى مطاردته واختفائه في شرق الأردن ما زالت حية في الأذهان. ففي تلك الفترة بالذات كان هيربرت صموئيل، الذي عُيِّن في عام 1920 مندوبًا ساميًا لبريطانيا في فلسطين وبقي في المنصب حتى عام 1925، يسعى لامتصاص نقمة الفلسطينيين على الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية فاتخذ سلسلة إجراءات لاسترضاء الفلسطينيين، منها العفو عن المطلوبين من قادة الحركة الوطنية والسماح لهم بالعودة إلى الوطن، من ضمنهم كامل البديري. فكان من شأن المسّ بكامل البديري مجددًا من جانب السلطات البريطانية أن يخلق توترًا في الشارع الفلسطيني ويثير غضب الحركة الوطنية الفلسطينية وعائلة كامل وأقاربه ويأتي بنتائج عكسية تهدد المسعى الذي كان هيربرت صموئيل ماضيًا فيه لاسترضاء الفلسطينيين. لذلك كان ينبغي بالسلطات البريطانية التفتيش عن وسيلة لإسكات كامل البديري بأياد غير بريطانية لإبعاد الشبهات عن وقوفها خلف هذه العملية.
في مذكراته روى الدكتور خليل البديري أنه في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 1923 عاد إلى القدس من ألمانيا حيث سافر لإكمال تحصيله العلمي فوجد أن جريدة "الصباح" قد توقفت عن الصدور ولم يذكر سبب توقفها. وقال إن "كامل قد انقطعت أخباره بعد أن سافر إلى شرقي الأردن قاصدًا أمراء نجد لتوعيتهم ضد الخطر الصهيوني ووعد بلفور والاحتلال الإنكليزي ودعوتهم إلى التمرد على الإنكليز والثورة عليهم، والمبادرة لنجدة فلسطين وتخليصها من براثن الاحتلال والصهيونية"(16).
(يتبع)
