القطران السوري واللبناني شقيقان متجاوران ويجمعهما الرابطة القومية والمصير المشترك

single
عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى في عام 1914 كانت بلاد الشام أي سوريا الكبرى جزءا من السلطنة العثمانية، وكانت الاقضية الاربعة اللبنانية حاليا (راشيا وحاصبيا وبعلبك والبقاع) تابعة لدمشق. واما سنجق لبنان فقد كان مؤلفا من منطقة الشوف، والمتن وكسروان والكورة والبترون وزحلة، ثم اضيفت اليه بعد ذلك اثناء الانتداب الفرنسي طرابلس وبعلبك والبقاع وصيدا وصور وما يليها جنوبا وصولا الى رأس الناقورة. وبعد فترة من الزمن اضاف الفرنسيون ايضا له الاقضية الاربعة، وبذلك شكل ما عرف في حينه "بدولة لبنان الكبير".
- ورغم المحاولات الاجنبية العديدة لجعل لبنان مرتبطا بفرنسا خاصة، وبالغرب الاوروبي عامة، فقد استمر لبنان محافظا على هويته العربية، وتعامل مع قضايا بلاد الشام خاصة والعربية عامة تحت مظلة المصير القومي العربي الواحد، لانه جزء من المنطقة العربية جغرافيا، وتاريخيا واجتماعيا واقتصاديا.
- وكانت فرنسا بشكل خاص تهدف منذ زمن طويل للسيطرة على لبنان، وتدخلت في اوضاعه منذ غزا القائد الفرنسي نابليون بونابرت مصر واتجه الى فلسطين واعاقه حصاره الطويل لمدينة عكا عن الوصول الى لبنان واحتلاله وجعله مركزا للسيطرة الفرنسية على الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط، واتصل نابليون مع الاقليات الدينية والقومية في لبنان محاولا اغراءها وكسب ودها. لكنه اضطر للاسراع بالعودة الى فرنسا لاسباب استجدت اضطرته لذلك. وتدخلت فرنسا في اوضاع لبنان عام 1860 عندما جرت الحوادث الدامية فيه للاسف الشديد. وبعد ذلك جاءت اتفاقية (سايكس بيكو) البريطانية الفرنسية سنة 1916 لتؤكد علنا الاطماع الاستعمارية لفرنسا وبريطانيا اللتين تمكنتا من خلال المقررات التي اتخذها مؤتمر "سان ريمو" في عام 1920 من فرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، والانتداب البريطاني على فلسطين، وشرق الاردن والعراق.
- ومنذ بداية تباشير اليقظة العروبية القومية في المشرق العربي، شكل لبنان حضنا للافكار التحررية السياسية. وعندما تأسست "الجمعية العربية الفتاة" سنة 1911 شارك اللبنانيون الاحرار في تأسيسها، منهم عبد الغني العريسي، ومحمد المحمصاني وعمر حمد، وشكيب ارسلان، وعادل ارسلان الى جانب العديد من الاحرار السوريين منهم نسيب البكري، وفوزي البكري، وفخري البارودي، ورضا الركابي، وخالد الحكيم واحمد مريود واحمد قدري.
فقد جاء في منشور صادر عن تلك الجمعية "العرب امة واحدة تجمعهم لغتهم العربية والتاريخ المشترك والعادات والتقاليد الواحدة". وفي مواجهة استبداد وطغيان الوالي العثماني في بلاد الشام (السفاح جمال باشا) وقرارات الاعدام التي اصدرها ضد العديد من قادة النضال التحرري العربي للاستقلال عن العثمانيين، امتزج الدم العربي السوري واللبناني في دمشق وبيروت. وكان في قوافل الشهداء عبد الغني العريسي، وسعيد عقل، وجرجي حداد، وعمر حمد، واحمد طبارة، وعبد الحميد الزهراوي وشفيق مؤيد العظم، وقبلهم تم اعدام عدد من الاحرار المناهضين للحكم العثماني من رجالات "جبل العرب" وهم كل من ذوقان الاطرش والد سلطان الاطرش ومزيد عامر ويحيى عامر ومحمد القلعاني، وهزاع الحلبي وحمد المغوّش. وكانوا يرددون امام حبل المشنقة: نحن فداء لكرامة واستقلال امتنا العربية. فليسقط الخونة، ولينهض العرب، كما رددوا "نحن ابناء الذين شادوا مجدا وعلا، نحن نسل قحطان الابي – جد كل العرب".
- هذا وبينما كانت الثورة العربية ضد الحكم العثماني في اوج نهوضها في بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، كانت اتفاقية (سايكس – بيكو) واطماع الفرنسيين والبريطانيين تستكمل اهدافها الاستعمارية في تغيير الخريطة الجغرافية والسياسية في بلاد الشام والعراق. حيث اتجهت القوة العسكرية البحرية الفرنسية الى بيروت وسيطرت عليها، وانزلت العلم العربي الذي رفعه المناضلون اللبنانيون الاحرار ضد العثمانيين، ورفعت مكانه العلم الفرنسي. وتابعت القوات الفرنسية الاستعمارية الغازية بعد ذلك تقدمها شمالا واحتلت في شهري تشرين الثاني وكانون الاول عام 1918 طرابلس، واللاذقية، ثم الشريط الساحلي الجنوبي الممتد من بيروت الى صيدا، وصور ورأس الناقورة.
- وفي الثامن من آذار عام 1920 بويع الامير فيصل وتوج ملكا على سوريا، وتشكلت في دمشق حكومة دفاع وطني برئاسة هاشم الاتاسي، ضمت العديد من رجالات سوريا الابرار، منهم ساطع الحصري، وزيرا للمعارف وعبد الرحمن الشهبندر وزيرا للخارجية، وفارس الخوري وزيرا للمالية، ويوسف العظمة وزيرا للدفاع الوطني.
- وفي 14 تموز عام 1920 تسلم الملك فيصل من مبعوث الجنرال غورو الحاكم في لبنان انذارا مطالبا فيه قبول الانتداب الفرنسي على سوريا. الا ان الحكومة السورية رفضت الانذار رغم ان الملك استجاب له. وجاء تطور الاحداث سريعا فقد غزت القوات الفرنسية سوريا قادمة من لبنان، واشتبك معها السوريون في معركة (ميسلون) يوم 25 تموز سنة 1920 بقيادة وزير الدفاع السوري يوسف العظمة الذي نال شرف الاستشهاد وهو يقود الدفاع عن استقلال سوريا في تلك المعركة التاريخية المشرّفة حيث خاضها السوريون وهم يعلمون انها غير متكافئة والامل بالانتصار فيها على الجيش الفرنسي الغازي شبه معدوم. لكنه يجب ان يشهد العالم بأسره بان السوريين قاوموا ذلك بقدر امكانياتهم واستطاعتهم وبأن الاحتلال تم رغما عن ارادة السوريين وممانعتهم ورفضهم الشديد للانتداب الاجنبي الذي يشكل بديلا لاستقلال بلادهم الذي لن يتوقفوا عن النضال في سبيله مهما كان الثمن وطال الزمن.
- وفعلا لم يستسلم السوريون بل استمروا في مقاومة الاحتلال الفرنسي لوطنهم، وسرعان ما نشبت في منطقة الساحل السوري الثورة التي قادها المجاهد صالح العلي، اعقبها ثورة مماثلة في شمال سوريا بقيادة المجاهد ابراهيم هنانو. وفي عام 1925 قامت الثورة السورية الكبرى في جبل العرب بقيادة المجاهد سلطان الاطرش وامتدت الى العديد من المناطق والانحاء السورية واللبنانية، خاصة الاقضية الاربعة التي ضمها الفرنسيون الى لبنان. وانضم اهلنا في شمال الجولان للثورة بقيادة المجاهد اسعد كنج ابو صالح من مجدل شمس التي شكلت من نفسها قاعدة رئيسية للثورة في شمال الجولان وتجمع فيها الثوار من البلدات الشقيقة بقعاثا ومسعدة وعين قنية وسحيتا وقاوموا الفرنسيين ودباباتهم ومدافعهم، وقدموا اكثر من مئة وخمسين شهيدًا من ابناء البلدات المذكورة، وشاركوا ايضا في مهاجمة الفرنسيين المتواجدين في اماكن اخرى مجاورة، واماكن بعيدة منها في حاصبيا وراشيا وكوكبا، وجديدة مرجعيون في الجانب الآخر اللبناني المجاور "لجبل الشيخ" الذي يفصل بينها وبين بلداتنا السورية في شمال الجولان.
- هذا ونتيجة للكفاح الوطني الجماهيري السوري واللبناني ضد الفرنسيين المحتلين، اضطرت فرنسا للموافقة على اقامة حكومة وطنية في سوريا، وبعد الاضراب الوطني الجماهيري الشامل في جميع مدن سوريا وانحائها واستمراره عدة شهور لاعطاء البلاد استقلالها اضطرت السلطة الفرنسية بالوعد على تسريع تنفيذ جلائها عن سوريا. وتعهدت ايضا بتسريع الغاء انتدابها على لبنان لكنها الزمت لبنان مقابل ذلك بالتشاور مع فرنسا في بعض الشؤون اللبنانية، خاصة فيما يتعلق بعلاقة فرنسا التاريخية مع فريق من الاقلية الدينية في لبنان، وحتى الآن لا يزال لبنان يعاني احيانا قليلة واخرى كثيرة من جراء هذا الالتزام. واقصد من ذكر ذلد اخذ العبرة وتعميق القناعة بالاضرار الناتجة من هكذا التزامات بين العرب والاجانب.
- وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، جددت الحكومتان السورية واللبنانية مطالبتهما منظمة الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي، باتخاذ قرار يلزم فرنسا بالجلاء الكامل عن الاراضي السورية واللبنانية. وفي آذار عام 1946 وضعت منظمة الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي جدولا زمنيا لانسحاب القوات الفرنسية بشكل تام عن سوريا ولبنان. وتم انسحاب آخر جندي فرنسي من سوريا في منتصف شهر نيسان عام 1946 وغادر آخر جندي فرنسي لبناني في الاسبوع الاخير من كانون الاول عام 1946. وتم بذلك جلاء الفرنسيين من القطرين الشقيقين سوريا ولبنان. وتحقق استقلالهما والجلاء الاجنبي عن اراضيهما. وبذلك توج نضالهما الوطني كقطرين شقيقين متجاورين كانا سابقا قبل تطبيق معاهدة سايكس بيكو الاستعمارية قطرا واحدا تقريبا، فعسى ان تتمكن الاجيال العربية الصاعدة فيهما من توحيدهما من جديد.
( مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
قد يهمّكم أيضا..
featured

البناء بغير رخصة: نزعة المواطن العربي أم خلل في جهاز الترخيص؟

featured

مفاوضات محكومة بالفشل

featured

ضوء اخضر لجرائم التعذيب

featured

"الغوطة" ودموع الكذب الأمريكية!

featured

دفاعا عن حيفا من البليّة

featured

إنفلونزا الخنازير

featured

شبلي شميِّل... داروين العرب

featured

غرب الظلمات – إبن ميكيافيلي-