البناء بغير رخصة: نزعة المواطن العربي أم خلل في جهاز الترخيص؟

single

يشترط قانون التنظيم والبناء لعام 1965 في أي بناء أو إنشاء، عدا حالات خاصة محددة في القانون، رخصة بناء صدرت حسب مخطط هيكلي يُمكّن الترخيص. في مقالتي هذه أود أن أقف باختصار على الأسباب الرئيسة التي تمنع المواطن العربي من إصدار رخصة بناء لمبنى يمتلكه، موضحًا أن مشكلة البناء غير المرخص في البلدات العربية لا تعود، في أكثر الحالات، إلى نزعة أو متعة عند المواطن العربي بل إن جزءًا كبيرًا من هذه الظاهرة متعلق بمشكلات جوهرية في جهاز الترخيص الحالي في إسرائيل.
في الحقيقة، يمكن تقسيم البناء غير المرخص في البلدات العربية إلى نوعين في الأساس: مبان بُنيت على أرض غير مخططة أو على أرض ذات مخطط متخلف لا يعدّ الأرض للبناء، ومبان أقيمت على أراض معدة للبناء إلا أن صاحب المبنى لم يفلح في إصدار رخصة بناء. أما النوع الأول فإن عددًا كبيرًا من البلدات العربية عاش حتى العقد الأخير في ظل مخططات قديمة حُضّرت في سنوات السبعين. هذه المخططات المتخلفة لم تواكب توسُّع البلدات العربية وازديادها السكاني وكانت العامل الرئيس الذي اضطر المواطنين العرب في أكثر الحالات إلى البناء بغير رخصة. حتى المخططات الهيكلية الجديدة التي أودِعت أو التي صُدِّقت في البلدات العربية مؤخّرا لم ترخِّص عددًا كبيرًا من البيوت التي بُنيت اضطرارًا في ظل المخططات الهيكلية القديمة. وإن ترخيص هذا النوع من المباني يتطلب مبدئيًّا تصديقا لمخطط تفصيلي عيني يُعدّ الأرض للبناء. إلا أن تصديق مخطط كهذا ليس بالأمر السهل وذلك لعدة أسباب، منها: أولا، عدم قدرة المواطن من الناحية المادية والقانونية على تحضير ومواكبة المخطط الهيكلي. إذ تبلغ كلفة تحضير مخطط هيكلي تفصيلي نحو 30 ألف دولار أمريكي. ثانيا، امتناع مؤسسات التنظيم والبناء مبدئيًّا من تصديق مخطط يهدف إلى يهدف لاى "تشريع مخالفة بناء" وذلك تطبيقا لتعليمات المستشار القضائي للحكومة بهذا الخصوص. ثالثا، امتناع مؤسسات التنظيم والبناء عن تحويل أرض للبناء إذا كان هذا الأمر حسب رأيها يتنافى هو وشروط البناء والاستعمال المحددة في المخططات الهيكلية القطرية والمخطط الهيكلي اللوائي. 
أمّا ما بُني بغير رخصة في أرض معدة للبناء حسب المخطط الهيكلي المحلي، فإن ترخيص نوع كهذا من البناء مشوب هو أيضا بعدد من العوائق التي تمنع المواطن العربي من إصدار رخصة بناء في حالات كثيرة. ومن هذه العوائق أذكر في البدء موضوع الملكية الخاصة في البلدات العربية. إن أنظمة التنظيم والبناء المختصة بالترخيص من عام 1970 تلزم من يقدِّم طلب رخصة بناء على ملك مسجل في دائرة الطابو أن  يُزوِّد طلبه بتوقيع ممن هو مسجل كصاحب الملك في دائرة الطابو. وفي أكثر الحالات لا يكون المتصرف الحالي في الأرض هو المالك المسجل في الطابو أو المالك الوحيد للأرض. في حالات كثيرة يكون مقدم الطلب أو موكله واحدًا من مجموعة أصحاب حق في الأرض كالورثة مثلا أو أن المتصرف الحالي في الملك إن كان وحيدا لم يسجل ملكيته في الطابو لعجزه أو عدم رغبته في دفع الضرائب المترتبة عن ذلك. لذلك، إن تقديم طلب رخصة في هذه الحالات يُوجب على مقدم الطلب أن يتخذ إجراءات مختلفة لتحديد ملكيته في الأرض كتحضير خارطة تقسيم (תשריט חלוקה) أو مخطط تقسيم (תכנית חלוקה) أو حتى اللجوء إلى المحكمة المختصة. ثانيا، تشترط لجنة التنظيم المحلية تصديقَ طلب الرخصة بأن يكون المبنى المنوي ترخيصه متصلا بشبكة البنى التحتية كارتبطاته بطريق، وبشبكة مياه ومجاري وكهرباء. ولأن كثيرًا من المناطق في البلدات العربية غير متصلة بشبكة البنى التحتية لأسباب مختلفة متعلقة بأداء السلطات المحلية العربية، فإن طلب رخصة بناء في هذه المناطق يُرفض، مبدئيًّا، كما حصل في عدد كبير من الحالات. ثالثا، في البلدات العربية القريبة من الخط الأخضر يشترط قبول طلب رخصة بناء لمبنى يبعد أقل من 120 مترًا من جدار الفصل العنصري، بموافقة وزارة الأمن الإسرائيلية، وقد ورد هذا الشرط بشكل صريح مثلا في المخطط الهيكلي لقرية سالم والمخطط الهيكلي اللوائي للواء القدس. رابعا، اشتراط قبول أي طلب رخصة بناء لمبنى يقع في منطقة أعلن عنها كمنطقة آثار حسب قانون الأثريات لعام 1978 بمواقفة سلطة الآثار. خامسا، في المخططات الهيكلية الحديثة للبلدات العربية قسِّمت المناطق التي أضيفت للبناء إلى مناطق توحيد وتقسيم (מתחמי איחוד וחלוקה)، واشترط الحصول على رخصة بناء في هذه المناطق بتصديق مخطط توحيد وتقسيم بين أصحاب الأراضي. كنتُ شرحتُ في مقالة سابقة أني أجد هذا الأمر عائقا كبيرًا يمنع نيل رخصة بناء في زمن معقول وذلك للصعوبة المعروفة في تصديق مخططات توحيد وتقسيم في البلدات العربية.
نتيجة لهذه العوائق ولأمور أخرى، أثبتت التجربة أن نسبة استغلال وحدات السكن الممكنة حسب المخطط الهيكلي في أكثر البلدات العربية لا تزيد عن نحو 35% لا غير. بالرغم من ذلك افترضت وزارة الداخلية في عدد كبير من المخططات الحديثة التي حرّكتها في البلدات العربية أن نسبة استغلال وحدات السكن هو نحو 70%. بناء على افتراض مغلوط فيه كهذا لم تمنح البلدات العربية وحدات السكن التي تكفيها فعلا للأعوام القريبة.
خلاصة القول: أرى أن تقليل نسبة البناء غير المرخص في البلدات العربية يتعلق بتغييرات واجبة في جهاز الترخيص الحالي. ولا شك أن حساسية هذه القضية وأهميتها عند الأقلية العربية في الحاضر والمستقبل تتطلب بحثا مهنيا شاملا يقدم التوصيات اللازمة لتمكين المواطنين العرب من الحصول على فرصة حقيقية، وليست شكلية، للبناء بشكل مرخص.


* يعمل الكاتب أيضا محاضرا لموضوع التنظيم والبناء في كلية الحقوق في الجامعة العبرية بالقدس.

قد يهمّكم أيضا..
featured

طبيب ليوم واحد

featured

أسرار إسرائيل القذرة في غزة

featured

دبلوماسية المساومة

featured

مسيرة مليونية ضد العنف والتقاعس!

featured

ماذا يقولون بالأرامية: يكفي اللبيب؟

featured

الارادة الطلابية انتصرت

featured

الانتخابات وانغلاق الطوائف

featured

حول "المشهد الاباحي" في فيلم "عمر" والمشهد الأخلاقي لمجتمعنا