الدافع للعودة إلى هذا الموضوع، هو ما سمعته عن احد الباحثين العرب من أبناء شعبنا والمقيم في أوروبا والذي يعتقد: لولا الجنود الدروز سنة 48 لما قامت إسرائيل!! هكذا سمع. والدافع الآخر ان قضية التجنيد لا تزال قائمة وتواكبها اليوم ظاهرة التجنّد الطوعي والمحاولات الحثيثة لفرض الخدمة المدنية وحتى العسكرية على الشباب العرب من ناحية، ومن ناحية أخرى زيادة الرّفض والامتناع عن التجنيد ومحاربة الخدمة المدنية.
بداية يجدر التأكيد على الحقيقة في الواقع الحالي: تدّعي إسرائيل انها تعامل الدروز والبدو معاملة خاصة مفضّلة بسبب التجنيد المفروض والتجند الطوعي. والواقع يقول ان أكثر مجموعتين مضطهَدتين من أبناء شعبنا هنا هم الدروز والبدو في نسبة مصادرة الأرض ومخالفات البناء والهدم ومجالات العلم والعمل والثقافة وغيرها الكثير، وأهل النقب والعراقيب مثل حي، وأرض الخيط وارض "التيفن" والكرمل لقرى بيت جن ويانوح ودالية الكرمل وعسفيا مثل حي. وما مخطط تطوير النقب والجليل الا نافذة أخرى للتهويد.
لقد أوجدت ووجدت الحركة الصهيونية قبل قيام إسرائيل عملاء لها في المثلث والجليل والنقب والكرمل من كافة الطوائف، وليس فقط في فلسطين بل أيضًا في الدول المجاورة وكل ذلك بمساعدة المحتلين البريطانيين والفرنسيين. وكان الانتداب البريطاني العامل المساعد والمباشر جدًا لإقامة إسرائيل منذ وعد بلفور وحتى انتهاء الانتداب ولغاية اليوم. ولعبت الأموال الصهيونية دورًا كبيرًا في الضغط والرشوة لاستملاك الأراضي العربية، وكانت المطلة القرية العربية الدرزية أول قرية هُجّر أهلها بتآمر كل الرجعيين من عرب وأتراك وأجانب وصهيونيين، كان ذلك سنة 1886، وعندما عارض وتصدى مختار القرية آنذاك "علي الحجّار"، ضاعت آثاره في الطريق بين المطلة وصيدا، وهكذا كان مصير وادي الحوارث ومرج ابن عامر وسهل مُران في عكا وقسم من سهل الحولة.
وساعدت بريطانيا خلال انتدابها على فلسطين على انتقال الأرض العربية إلى الحركة الصهيونية وحتى تحريش الأرض الزراعية بواسطة تصوير جوّي سنة 1945 والذي اعتمدت عليه إسرائيل كثيرًا لمصادرة الأرض.
- "ضيّفوا الوفد في الإسطبل"!
زمن الانتداب الفرنسي على سوريا، حاولت فرنسا فصل جبل الدروز عن سوريا وإقامة دولة درزية، وتصدى لهذه المؤامرة الدنسة الوطنيون الشرفاء وفي طليعتهم سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى. في سنة 1947 وما بعدها بقليل حاولت الحركة الصهيونية ترحيل الدروز إلى جبل الدروز وأرسلت وفدًا من الدروز ومعهم صهيوني بلباس عربي وحملوا رسالة تقول: ان الوضع المعيشي في الجبل صعب، وترحيل الدروز إليه من فلسطين بعد بيع ممتلكاتهم ومساعدة الحركة الصهيونية بالأموال ينعش اقتصاد الجبل الفقير وعندما سمع سلطان الأطرش بهذا الوفد وهدفه قال جملته المشهورة والتي تناقلها الناس في سوريا وفلسطين: ضيّفوا الوفد في الإسطبل للصبح!!
ومن جملة المساندة البريطانية للصهيونية انها أورثت العملاء والمتعاونين مع بريطانيا إلى إسرائيل والصهيونية طبعا باستغلال التعصب العائلي والمنافسة المسمومة دفاعًا عن كرامة العائلة.
لقد انخرط عشرات الشباب الدروز مع الجيش الإسرائيلي سنة 1948، وأكثر من ذلك بكثير من بقية الطوائف العربية، وأقول العشرات فقط ونحن نعرف أسماءهم. وبالترهيب حاولت إسرائيل ترحيل الدروز فاجتمع عدد من مشايخ الدين الأجلاء ومنهم من قرية أبو سنان وقرروا: اشرف قبور لنا هي بيوتنا، نموت فيها ولا نرحل!! وكم أودّ لو تجري أبحاث ومقابلات مع أولئك الذين شاركوا ونقلوا هذا الموقف المشرّف.
طبعًا إن "القيمين على التراث الدرزي" المزيف والذي يقصد به الوجهنة واللقمطة لإسرائيل وتآمرها لفصل الدروز عن شعبهم الفلسطيني وأمتهم العربية، إن هؤلاء لا يدخلون هذه المواقف في تراثهم. ولا مشاركة الدروز في ثورة عز الدين القسام، ولا المعارك التي خاضها الشباب والشيوخ الدروز ضد الهاجاناة سنة 1948، ولا استشهاد عدد كبير منهم!! في معركة "الليات" بين عكا ومجد الكروم ومنطقة شفاعمرو، والجليل. وحضرت في طفولتي جنازة احد هؤلاء الشهداء في قريتي، وتتلمذت على يد احد المربين الشرفاء من قرية الرامة الذي فقد عينه في المعركة، وعرفت عددًا من الجرحى الذين جُرحوا قرب قرية فرّاضية إبان ثورة القسّام وجرى نقلهم للمعالجة على ظهور الجمال إلى لبنان. عرفتهم ولطيلة عشرات السنين، وآخرهم توفي قبل سنوات.
في سنة 1953-54 قررت حكومة إسرائيل فرض التجنيد العسكري الإجباري على الشباب العرب الدروز بموجب صلاحية وزير الأمن بتنفيذ بند القانون. وادّعت إسرائيل ان "وجهاء الطائفة" وعددهم 16 وافقوا على ذلك، لا بل طلبوا هذا بأنفسهم، ومعظم هؤلاء لم ينتخبهم احد، فلم تكن هنالك مجالس محلية مثلا، وأنا متأكد ان بعضهم لا يستطيع حتى ترتيب جملة التجنيد العسكري الإجباري.
ومن ناحية أخرى هبّ رجال الدّين في كافة القرى وحملوا عرائض وُقّعت في أماكن العبادة "الخلوات" ضد التجنيد، وجمعت أموال لمصروفات القضية، وكنت شاهدًا على جمع التواقيع، ووقّع عليها القسم الأكبر من الرجال، الغالبية الساحقة من البالغين إذا استثنينا النساء والأطفال، لكن السلطات طبعًا ضربت عرض الحائط بهذه العرائض. ورفضت غالبية الفوج الأول الذي طبق عليه التجنيد، وأدخلوا إلى السجون، وهم موجودون اليوم على قيد الحياة بغالبيتهم.
- النقاش، مع الخبثاء
إذًا هنالك بعض الجهلة الذين تنقصهم المعلومات، فهل هنالك عشرات ألوف الجنود الدروز!! والحديث عن هذه الأيام حيث يبلغ عدد الدروز حوالي مئة ألف تقريبًا. اخصم نصفهم من النساء، واخصم الأطفال والمسنين والعجزة والرافضين والمعفيين لأسباب دينية.. فهل يبقى عشرات الألوف والألوف!!
المجتمع يشفع لهؤلاء الذين يجهلون الحقيقة ويطلب منهم الدّقة والموضوعية والمنطق. لكن النقاش مع الخبثاء من متدينين وقومجيين علمانيين من هنا ومن مصر والسعودية وغيرها. على هؤلاء الخبثاء ان يدينوا الرجعية العربية كضلع من أضلاع النكبة وليس الجنود ولا المجندين العرب من دروز ومسلمين ومسيحيين، من بدو وشركس.. هؤلاء الخبثاء متعيِّشون على أموال قطر والسعودية وينفثون هذه الأكاذيب في الماضي واليوم، وهم قوميون جدًا، ونرى قوميتهم في الضلوع مع أعداء القومية العربية والمشاركة مع دول الخليج وتركيا وإسرائيل وأمريكا وحلف الأطلسي والرجعية اللبنانية ضد كل من يعادي الاستعمار الأمريكي ومخططاته الخطيرة في المنطقة والعالم وسوريا والمقاومة اللبنانية وإيران مثل.
طبعًا لا أفضّل عميلا أو متعاونًا درزيًا على غيره من أبناء و"نساء" حثالة شعبنا وامتنا، فالكل سواء، لكن العميل على مستوى الملك والرئيس والوزير والمفكّر هو اعتى بكثير وادسم، ويعوّل عليه أكثر ومجالاته أوسع وخدماته أرقى وأجرته أعلى.
بعض الوجهاء الدروز الذين اختلفنا ونختلف معهم جذريًا وناضلنا ضدهم ساهموا في إعادة عشرات ألوف اللاجئين من أبناء شعبنا إلى وطنهم أو منعوا ترحيلهم، هكذا كان في يركا والرامة والمغار وبيت جن حرفيش، ومن الوجهاء من كان وظلّ شريفًا وطنيًا. أعاد هؤلاء من اللاجئين من درب التهجير أكثر مما قامت به جامعة الدول العربية ان كانت قامت بشيء أصلا، أو بالعكس كما نراها اليوم.
معارضة التجنيد الإجباري ورفضه ليست بالأمر السهل لكن المشرّف، فهنالك السجن والتعذيب الجسدي والنفسي والاقتصادي والمعيشي، وذقنا ذلك على جلودنا كواجب مقدّس ومن منطلقات ضميرية وقومية وإنسانية وأخلاقية. كل رافض قدّم تضحيات أكثر من كل ملوك ورؤساء العرب الأنذال خَدَم الاستعمار والصهيونية، وزوار الفنادق الإسرائيلية الفخمة من أمراء عديدين، والله يسبل ستره على جميع خلقه.
إن أول تنظيم تصدى للتجنيد العسكري الإجباري كان "الشباب الدروز الأحرار" ولجنة المبادرة العربية الدرزية بتوجيه ومساندة الحزب الشيوعي، والحزب الوحيد الذي عارض هذا التجنيد هو الحزب الشيوعي اليهودي العربي.
وكم نحترم الباحثين الأمناء والشرفاء في مجال المساعدة في منع التهجير أمثال د. شكري عرّاف والأديب حنا إبراهيم وغيرهما.
لكن إسرائيل طبعًا ممعنة في سياستها الإجرامية في مجال فصل الدروز عن شعبهم وأمتهم ووصل ذلك إلى برامج تدريس خاصة، واختراع قومية درزية، وتراث وعسكرة صفوف دراسية ومصادرة أعياد مثل عيد الفطر وقَسَم يمين الإخلاص العسكري في الأماكن المقدسة ومزارات الأنبياء خاصة مزار النبي شعيب الذي قال عنه الرسول العربي: شعيب خطيب الأنبياء، والذي اقطعه صلاح الدين الأيوبي أرضًا واسعة وجاءت إسرائيل وصادرت القِسم الأعظم منها.
لقد عملت السلطة على رفع تمثيل الدروز في الكنيست مع ان أصوات الدروز بالكاد تكفي لعضوية واحد فقط، فمن أين جاءت بقية الأصوات!!
هذا مع عدم غمط موقف البعض الايجابي في العديد من القضايا.
واليوم نسبة الرفض والامتناع عن الخدمة بمختلف الوسائل والأساليب هي في ازدياد مبارك، خاصة في ظل الاحتلال والاستيطان والحروب العدوانية والاضطهاد والتمييز. وزحزحة هذا الكابوس بحاجة إلى تكاتف كل الشرفاء، وأولا وقبل الجميع، الشباب الضحية لهذه السياسة العنصرية والعدوانية، وليس طبعًا بالتزييف المقصود أو العفوي عن جهل وانعدام معرفة.
إن الرجعيين والانتهازيين والمتلوِّنين والعملاء والمتعاونين هم الذين يضربون على الوتر الطائفي والعنصري، وشعبنا بغالبيته يعرفهم وينبذهم، من اجل مجتمع معافى من الأدران السامة ومن اجل التفرغ لمقارعة سياسة الاحتلال ومحاولة الاقتلاع.
