أنا واحد من بقايا المحاربين القدامى الذين خدموا في الجيش البريطاني، وكنت من اوائل نشيطي منظمة الفارّين من الكارثة الذين ناضلوا مع القوات البريطانية العظمى، من اجل حقهم في القدوم الى البلاد بسفنها الحربية وجنودها الذين حاربوا اكبر اعدائهم وانتصروا عليهم، حيث هاجموا في حينه سفينة الجوز التابعة لنا والتي اقلعت من شواطئ ايطاليا الى البلاد، محملة بالناجين من الكارثة النازية ومنعوا هذه السفينة في ساعة غضبهم وكراهيتهم من الدخول الى البلاد، وقد لاحقوهم وسدوا الطرقات في وجوههم وسحقوا مثل هذه السفينة واطلقوا الرصاص وجرحوا الكثيرين من الركاب. والآن ها أنذا اشاهد باشمئزاز وقلب كسير نفس المخاطر ولكن بتغيير المواقع، حيث قام جنود الجيش الذي يفتخر حين يسمي نفسه جيش الدفاع الاسرائيلي بملاحقة وقتل شبيه – ولا حدود للعار والوحشية والتلون حيث يغطون بكلمات كاذبة وشريرة للتستر على اعمالهم الاجرامية لقد اضطهدوهم حتى التراب.. فكيف وصلنا بالانحطاط الى هذا الحد!! وكيف تحولنا الى شعب متوحش شرير من ملاحقين بفتح الهاء الى ملاحقين بكسرها!! هكذا كان ذلك متوقعا!! تسعة عشر عاما "استكفينا" بحكم عسكري وجهاز سلب وتمييز واضطهاد للاقلية العربية الباقية معنا منذ حرب الاستقلال. خلال ثلاثة واربعين عاما فان الشعور بالعزة القومية والانتعاش المتفشي في شعبنا بسبب مخدر مسكر بعد انتصارنا في عام 67 الذي اوصل حركة ارض اسرائيل الكاملة والمسيطرة منذ سنين الى السلطة. لقد اضعنا الفرصة الذهبية التي حصلنا عليها كمنتصرين في صنع السلام مع الشعب الفلسطيني، اضعناها مرة واحدة بسبب النظام الصهيوني الفاشي والشمال افريقي خلال احتلال عنيف واستيطان مغتصب لارض فلسطين وشعبها... إن الهجوم التراجيكوميدي الحالي "للارمادا" والصهيوني القبيح في اقلاعه وتمكين الطوق الخانق على المنطقة التي يسكنها مليون ونصف مليون فلسطيني مسكين في قطاع غزة هو ما جعل شعبنا الصغير والمستبد يبكّر في اعداد طبخته. ان هذا الحمل الثقيل الشرير والمنحط حتى الجنون هو الذي جعل اسرائيل العدوانية تخلق عاملا مستبدا يستطيع ابادة كل امكانية بقائها في المستقبل الظاهر للعيون. ان كتاب "الوجبة هي الوجبة" والتي ستؤدي الى ضياعها محفور بالدم على جدار كيانها المهتز.
مساكين هم ابناؤنا واحفادنا واحفاد احفادنا الذين تركنا لهم ارثا كهذا.
(* نهاريا)
