أوراق الجوز

single


هناك في أقصى الحارة، في تلك البلدة البعيدة القريبة، كانت شجرة  جوز كبيرة، وارفة الظلال.
كنت أذهب إليها في أيام الصيف الحارّة مع أختي، وصغيرات الحارة، نلعب تحتها ونتفيّأ بظلّها، ونقطع الأوراق منها.
كانت كلّ واحدة تأتي وكيسها. نلعب لعبة الحوف، عندما نتعب من الركض، نجلس نستريح ثمّ نبدأ بقطع اوراق الجوز الخضراء الطرية اليانعة، نجمّعها في الأكياس، ونعود إلى البيت.
في البيت، نغسّل الأوراق، نُنشّفها جيدا، ثم نذهب إلى حاكورة الدار، للبحث عن حجارة كبيرة مُصفْلحَة ملساء كالبلاطة، ننظف الحجر،نضع أوراق الجوز عليه بشكل مرتّب، نأتي بحجر صغير ونبدأ بدَقّ الأوراق كي تصبح ناعمة. ندقّ وندقّ وأصوات الدقّ تعلو وتعلو، مثل أصوات دقّ اللحمة في أجران الكُبّة، حتى تكون كلّ الأوراق ناعمة وتصبح كالعجينة.
بعد دقّ الأوراق وتنعيمها، نضعها في صحن مجوّر، نرشّ عليه قليلا من الكاز، نخلطهم ثمّ نصعد إلى سطح الدار، ننشُرهم تحت أشعّة الشمس الحارّة، ونظلّ نراقب حتى يتغيّر لون الخليط ويتحوّل إلى أحمر تقريبا.
في المساء تأتي أمي بشُقَف قماش مزّقتها من ملاحف وفساتين قديمة، تدهن أكفّنا بالخليط، ثم نطبّقها جيدا، وتبدأ بلفّ كلّ اليد بالقماش وتثبّتها بشريط رفيع من نفس القماش، كي لا يكتّ الخليط على الفراش في الليل.
تعود وتأتي في الصباح  لتفكّ لنا الرّباط، وتقول:
- يلاّ كُتّوا إيديكوا وروحوا غسلوهن عشان تروح ريحة الكاز ونَشْفوهن منيح بعدين.
نذهب ونعمل بأوامرها ، نرى لونا أحمر باهتا، نتساءل بخوف، تضع أمي يديها بزيت الزيتون،تأخذ أكفنا بيديها، وتدهنها بالزيت وتقول:
- هيك أشلَب وأحسن بِصير اللون أزهى وأحلى وجلدكو بِطْرى كمان.
نفرح كثيرا ونتباهى بلون كفّينا وطراوة ولمعان أيدينا.



(الرامة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نحن الشعب.. اخترناك من بين الشعب

featured

وردة وتحية والتزام بالكفاح

featured

يتعقْلَن بيبي، لتتوفّر له الشرعيّة!

featured

من أقسى فترات نتنياهو (وأخطرها)!