سبوعة في عرين الاسد!

single
لعلها نشوة الفرح بنجاح حفلة "الاتحاد" الباهر في عيدها الخامس والستين من عمرها المتجدد جعلتني اعود الى الوراء عشرات السنين، الاكثر من اربعين سنة، لاستذكر بعضا من الصور المضيئة عن العلاقة الجدلية بين "الاتحاد" ومن حمل مشعلها من "السبوعة في عرين الاسد" وما اجترحوه من شجاعة وجرأة وبطولة في مواجهة ارهاب ذئاب الغاب واضاءة مصابيح النور في طريق مسيرة شعبنا الكفاحية. قفزت الى مخيلتي صورة خالد الذكر مبدا فرحات (ابو عيسى) الوطني الاصيل، ابن مجد الكروم وكفر ياسيف، بلباسه العربي وبالحطة والعقال التي لا تفارق رأسه. فأبو عيسى من الثوار المشهود لهم في مقاومة الصهيونيين والمستعمرين الانجليز قبل نكبة شعبنا في الثمانية والاربعين، اخلاصه الوطني الصادق لشعبه اوصله الى عضوية الحزب الشيوعي في السنوات الاولى من خمسينيات القرن الماضي وفي المعركة من اجل البقاء ومواجهة جرائم الحكم العسكري ضد جماهيرنا، كان اميا لا يفك الحرف ولكنه كان مثقفا من ناحية الوعي السياسي والوطني، كان يوزع الاتحاد نصف الاسبوعية كل يوم ثلاثاء ويوم جمعة. لم يكن راضيا عن نفسه لكونه اميا، في احد الايام فاجأ زوجته ورفيقة دربه الرفيقة ام عيسى بقوله "بدي شحنة لوعيي عيب علي ان اظل تحت جميلتك واتحشمك، حتى تقرأي لي الجريدة، او اعتمد فقط على التحليلات السياسية التي يقدمها لنا الرفاق احمد شحادة ابو رمزي ويوسف شحادة ابو شحادة ونمر مرقس ابو نرجس، مش عيب وبهدلة ان اوزع "الاتحاد" ولا اقرأ ما تكتبه، طز على الشيوعي الذي يقرأ صحيفة الحزب ويتابع من خلالها موقف حزبه من مختلف القضايا. وكانت زوجته تشحنه يوميا بدروس مكثفة حتى صار مثل "كرجة الماء" يقرأ الخبر والمقالة. وكانت سعادته لا توصف وهو يفسر لقرائه ماذا تكتب "الاتحاد".
استذكرت صورة ومواقف "دحبورة في الساحة خيال"، الفارس الشيوعي المتميز جورج لاذقاني (ابو انيس)، جار الرضا، الحاضر دائما في جميع المعارك النضالية، كان معروفا بشجاعته وجرأته وخفة دمه وذكائه، ابان حرب حزيران العدوانية الاسرائيلية في السبعة والستين، كان الحزب الشيوعي القوة السياسية المنظمة الوحيدة التي وقفت ضد الحرب ودانتهم وفي حينه اعتقدت حكومة العدوان ان الهزيمة العربية اوجدت ظروفا مناسبة لشن حملة اعتقالات واسعة ضد الشيوعيين العرب طالت المئات من رفاق الحزب في كل مكان، وذلك بهدف ارهاب الجماهير العربية وكسر شوكة نضالها العادل، وحرص الحزب ان يحمي جماهيرنا من جنرال الارهاب والخوف ويرفع معنوياتها من خلال "التملص" من الاعتقال والالتصاق بالناس، والحرص على مواصلة توزيع "الاتحاد". وفي كفر ياسيف التي طالت ايدي الاعتقالات عددا من رفاق الحزب، حاول الضابط العنصري زفر اللسان ان يفرض جوا من الارهاب على الاهالي من خلال استفزازاته للناس بشتائمه القذرة وبعربدته البلطجية. وكان ابو الانيس مثل سمك الحنكليز "يمزلط" ويفلت من ملاحقة البوليس لاعتقاله، وبالحيلة الخبيثة استدرجوا الدحبورة الى بيت احد المرضي عنهم سلطويا وكان الديوان عامرا من زلم السلطة واذنابه وكان الضابط الرذيل ابن يتسحاق يجلس في صدر الديوان. بادر الى الحديث، وبلغة مهذبة قال "احنا بدنا مصلحتك، انت بزنبوط ربك فش عندك عيلة، داير تحرض الناس ضدنا وتوزع الاتحاد، معارفك – ونظر الى الوجوه الصفراء الجالسة حوله – توسطوا لك حتى لا نعتقلك، احنا تغلبنا على عبد الناصر والاسد، شو بدك بالشيوعية، ريح راسك من وجع الدماغ"! قاطعه ابو الانيس قائلا "انت يا ضابط نس ومالس مثل الحية السامة، ما الك بالعادة يكون لسانك نظيف، انا عيلتي اكبر عيلة في كفر ياسيف، عيلة كل الشرفاء من الشيوعيين والوطنيين، وما بشرفني قربى من هم حولك من السحيجة لسياستكم وامتشق الاتحاد من عبه، وقال، هذا سلاحنا سنفضح عرض سياستكم، لو انك شالح البدلة لدعست على رأسك، عودنا صلب ومر على اسنانك" وانسحب من الديوان بطرقة باب الخروج طرقة قوية.
اما الرفيق فهيم جريس (ابو جواد) فقد لعب في حرب حزيران بوليس السلطة لعبة "لفتك ما لفتك" وهو يوزع الاتحاد لقراء حارته، كان البوليس يلاحقه لاعتقاله من شارع لشارع ومن زقاق الى زقاق وابو جواد يواصل توزيع الاتحاد مثيراغضب البوليس الذي لم يأخذ لا حق ولا باطل عن وجهة توجه فهيم جريس، الى ان فسد احد الاذناب بالبوليس ان فهيم اتجه نحو ساحة "حي المراح"، سبقوا له واعترضوه، وببرودة اعصابه المعروفة قال للبوليس "انتظروني يا خواجات، بعد علي توزيع جريدتين وسأرجع لكم"! سكتم الضابط بالتشاقيع العربية الاصيلة المتميزة عالميا بشهرتها وأمر باقتياد فهيم الى سيارة الشرطة، بيتك الطبيعي والدافئ يا ابا جواد في انتظارك.
رحم الله الشخصية الوطنية التقدمية، صديق الحزب والجبهة سليمان داود (ابو حسيب)، اتذكر حتى اليوم ما قاله لي في حرب حزيران عندما اوصلت له الاتحاد "ولا يهمكوا يا شيوعية، حلها تعرف الحكومة الشرطوطة ان الشيوعيين "سبوعة في عرين الاسد". وصباحكم فل يا سبوعة العرين يا من تواصلون حمل مشعل النور.
قد يهمّكم أيضا..
featured

مأزق الميزانية

featured

الطائفية البغيضة

featured

هل ثمة امكانية للخروج من الوضع الراهن؟

featured

الحرية ماذا تعني...

featured

يحفرون الحفر لشعبهم بأنفسهم!!

featured

إلى متى الاستهتار بالإنسان؟

featured

مونديال افريقيا الجنوبية وبدء نهاية الانظمة العنصرية