*هل سنقول للعالم، "لا بأس فهنا (سوريا) يتم قمع الناس وقتلهم في سبيل حركة التحرر"! ماذا قال مظفر النواب، "أيهم الميت أن القبر يزخرف أم تكترث الشاة لشكل السكين إذا حضر الذبح"..*
بحزن وبألم أكتب هذا المقال. لأنني لم أعتقد يومًا بأنني بحاجة إلى تفسير الماء بأنه ماء، وبأن نظام بشار الأسد هو نظام فاشي متطرف، نظام غارق بدماء بشعبه، ولا يهم أن هذه الوحشية مغطاة برداء قومي اشتراكي معاد للإمبريالية، كما يدّعي كذبًا ورياءً. وهذا مؤلم ومحزن، ثانيًا، لأنني لم اعتقد يومًا أن كلامي هذا سيكون موجهًا بالذات إلى رفاق درب مناضلين ضد كل أشكال الطغيان في كل مكان. وبما أن العواطف لا تغني ولا تسمن عن جوع، فسأضع حجتي، حتى لو لم تتعدّ تفسير الماء، بعد الجهد هذه المرة، بالماء.
1- أمس الأول قال شمعون بيرس، إن محمود عباس هو أفضل قائد فلسطيني بالنسبة لإسرائيل. فهل علينا أن نتنصل من محمود عباس، لئلا نقف في صف واحد مع شمعون بيرس؟ وهل إذا قال استعماري بأن الشمس تشرق من الشرق يجب علينا أن نكسر قوانين الطبيعة ونقول أنها تشرق من الجنوب، لكي لا تلتقي قوانيننا الطاهرة مع قوانين الاستعماريين الطغاة! من الممكن أن نلتقي مع الاستعمار ومع الرجعيين في تعريف معين، فهل علينا كسر قناعاتنا بجريرتهم. هذا الموقف، بالإضافة إلى كونه غير علمي فهو تعبير عن ضعف في قناعاتنا، وفي تأرجحنا، وآنذاك سيكون اختيارنا للصواب مرتهنًا بالآخرين، وهذه المرة امبرياليين ورجعيين. فهل نريد أن نكون كذلك؟
2- بالذات لأن بشار الأسد معدود، وبرأيي اعتباطًا وقسرًا، على قيم التحرر والعدالة الاجتماعية والإشتراكية ومعاداة الاستعمار، فبالذات نحن، أب وأم هذه القيم، يجب أن نكون أول من يقف في مواجهة ممارسات أولئك الذين يدعون اعتباطًا وقسرًا بأنهم محسوبون على هذا الصف. بالذات نحن علينا القول نحن منهم براء. فبدون ذلك نفقد مصداقيتنا. هل سنقول للعالم، "لا بأس فهنا يتم قمع الناس وقتلهم في سبيل حركة التحرر"! ماذا قال مظفر النواب، "أيهم الميت أن القبر يزخرف أم تكترث الشاة لشكل السكين إذا حضر الذبح".. هل لأن سكين البعث السوري منقوش عليه العداء للاستعمار مسموح له بأن يقوم بهذه الموبقات التي تقشعر لها الأبدان.
3- من قال ان هذا النظام هو معاد للاستعمار وللاحتلال.. افحصوا! ستجدون، في كل مفترق طرق، هذا النظام في الموقع البائس؛ في بداية السبعينيات تحالف مع الكتائب الفاشية ضد اليسار اللبناني؛ في عام 76، اقترف وأشرف على مذبحة تل الزّعتر؛ في حرب لبنان 82 وقف متفرجًا على اجتياح لبنان، حتى بعد تعرض جيشه للقصف الإسرائيلي؛ طوال تاريخه شجع "فصائل" فلسطينية لضرب وحدة وتمثيلية منظمة التحرير، ولم يتوان عن طرد ياسر عرفات بشكل مهين من سوريا؛ حافظ على الجبهة السورية كالجبهة الأهدأ على مدى حوالي 40 عامًا. مع عداء كهذا العداء، فالإمبريالية ليست بحاجة إلى متعاونين.
4- ليست الحدود فقط، فالعالم لم يسمع يومًا صرخة سورية واحدة ضد الاستيطان واستغلال ثروات الجولان، الطبيعية والسياحية. سوريا هي دولة، وبإمكانها أن تضع كل مهندسي الاستيطان وحتى الساكنين أنفسهم، أمام المحكمة الدولية لجرائم الحرب بتهمة تغيير طبيعة منطقة محتلة. مع مثل هذا النظام الذي يريد أن يعلمنا مبادئ النضال، تسرح وتمرح إسرائيل في الجولان ولا يوجد من يردها.
5- من قال ان الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، تتآمران للإطاحة بهذا النظام.. إن مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة الإستراتيجية تكمن في الإبقاء على نظام بشار الأسد، فهو نظام بمثابة النبّوت ضد الفصائل الثورية في سوريا ولبنان وفلسطين. إنه نظام عالي الصوت عديم الفعل. ماذا يريدون أكثر من ذلك؟
6- ويبقى الامتحان الأساس هو ما قدمه هذا النظام لشعبه. شعب لا يفتح فمه إلا لدى طبيب الأسنان، كما قال دريد لحام. نظام جعل من الجار جاسوسًا على الجار. نظام فيه الخوف يعشش في البيوت والرؤوس والفراش والوسائد، حين ينام الناس منتظرين قرع العسس خاطفي الأبناء- الراجعين إليهم، في أحسن الأحوال أشباح بشر وفي أحيان كثيرة جثثًا هامدة تم انتهاك حرمتها.
7- معركتنا في إسرائيل هي، أيضًا، معركة على إقناع الرأي العام هنا بعدالة قضيتنا، فماذا سيكون مصير مصداقيتنا حين نرفع صرخة الاحتجاج على كل موبقة يقوم بها الاحتلال، بينما ندافع عن جرائم البعث السوري أو على الأقل نصمت عليها. ماذا سنقول لهم: "معلش، القتل عن طريق البعث حلال"؟!
8- مواقفنا الإنسانية وحساسيتنا الفائقة تجاه الظلم هي هي التي وجهتنا لتبني أفكار وأيديولوجيات ثورية. قبل أن نقرا ماركس وأنجلز ولينين وديمتروف، انحزنا إلى جانب المظلومين. وحينما تتعقد الأمور، حتى على المجربين، فاعتمدوا القلب، كما قال ومرة أخرى مظفر النواب، " فالقلب يرفّ مهما الرياح الدنيئة سيئة جارفة".
