تفاحة الوطن!

single

قادتني هواجس الذكريات الى اكثر من اربعة عقود الى الوراء، وبالتحديد عندما نزلنا من قطار النكبة في الحارة الشرقية من ابوسنان – كفرياسيف التي حسب تأكيد المرحوم والدي المحطة الاخيرة قبل العودة وقد يطول انتظارنا ولهذا كعكر غرفتين من البلوكات ارحم الف مرة من براكية الواح الزنك. كنا من طلائع الحي الذي لم يكن يسكن فيه غيرنا سوى جيران الرضا دار ابو خليل وابو ناصر اندراوس وتفاحة واحمد الفران. وتوثقت العلاقة بين دار احمد الفران وبيننا، احمد الفران كان يجمع الحطب للفرن من بساتين "ام الفرج" و"النهر" المهجرتين اللتين يغتصبهما الخواجا الصهيوني ووالدي كان ينتقي الفروع الملائمة لتنجيرها وتجهيز ارجل واصابع لكراسي القش التي كان يجدلها لاعاشتنا. وللامانة حتى اليوم لا اعرف السر الدفين الذي طواه احمد الفران وزوجته معهما برحيلهما، ما هو اصلهما وفصلهما، كأنهما مقطوعان من شجرة لا اقارب لأي منهما. احمد الفران كان يستل رغيف معيشته من مهنته كخباز ماهر في الفرن وزوجته تفاحة تعينه بشطارتها في استغلال حاكورة بيتهم بزراعتها بمختلف الخضار "من ذيله واعمل له شباك" او كما يقول اهل الخليج "من ذقنه وفت له" توفير الاكتفاء الذاتي من خيرات الارض، من باذنجان وملفوف وخيار وبندورة وبامية ولوبية... وتفاحة كزوجها لم توفر لهما حضارة الجاهلية امكانية فك الحرف، ولم تسمع بماركس وانجلز ولينين او تنتسب الى أي حزب او أي تنظيم، ولكنها كانت وطنية اصيلة، بالسليقة ادركت جدلية الصراع واهمية التمسك بتراب الوطن والبقاء ومواجهة ذئاب الترحيل والتطهير العرقي، فالوطن كان بالنسبة لتفاحة بيتها والشعب الفلسطيني، اهالي كفر ياسيف عائلتها، ولا خيار الا الدفاع عن البيت والعائلة لصيانتهما. ما سمعته من الرفاق القدامى في كفر ياسيف ان تفاحة كانت من طلائع من تصدى لشاحنات الترحيل الصهيونية الى جانب رفاق الحزب الشيوعي من عصبة التحرر الوطني الذين تمددوا امام سيارات التهجير ومنعوا باجسادهم مؤامرة تهجير اهالي كفر ياسيف الى اللجوء القسري خارج وطنهم. حقا ان الشعوب بابنائها وبناتها من المناضلين هي من تسطر تاريخ التطور. وتفاحة الوطن والوطنية احد الجنود المجهولين الذين بتضحياتهم دون مقابل يسطر الشعب الفلسطيني اسطورة صموده وبقائه وتمسكه بثوابت حقوقه الوطنية. حبذا لو انه بمناسبة مرور تسعين سنة على نشاط الحزب الشيوعي في بلادنا ان يقوم كل فرع حزب بالمبادرة والتفكير بنشاطات تكريمية لمن يستحق التكريم من المناضلين البواسل من شيوعيين ووطنيين تقدميين في مختلف مراحل التطور والصراع. فحق الاجيال الشابة الصاعدة ان تطلع على حقيقة ما اجترحه الشيوعيون من بطولات في مواجهة اعداء الانسانية واعداء شعبنا وفي الدفاع عن القضايا القومية الوطنية لشعبنا. فالتاريخ الكفاحي في بلادنا لم يبدأ بظهور فطريات الشتاء "القومي" ولا ببروز زنابيط البصل الاصولية.
اكثر ما كانت تكره تفاحة الوطن العملاء من اذناب الحكم العسكري، وكم طوشة فجرت في مكتب الحاكم العسكري في كفر ياسيف اذا تلطكأ الحاكم العسكري في اصدار تصريح لها ولزوجها لجلب الحطب من "النهر" او من أي مكان آخر. وقصتها مع "الطرنطاسي" عباس المهول انتشرت مثل هبوب الريح في البلد. فالطرنطاسي لا ينافسه احد في الغباء يحكى انه عندما كان شلفوحا سأله احد الاولاد "طاسة طرنطاسة في البحر غطاسي، ما هي؟" فعلى الحارك اجاب عباس "الطرنطاسي طاسة غرف اللبن من دست اللبانة ام عيسى"!! ولبسه لقب الطرنطاسي مثل اللصقة الامريكية. في احد الايام جاء عباس الى تفاحة وطلب منها ان تقنع له الارملة ام حسين" بالزواج منه، وعلى حد قوله انه يتحسر كلما يرى ان حمارته معشرة وهو لا يزال اعزب! فقالت له تفاحة "يا مشحر كيف بدها تقبلك وانت عطال بطال، من اين ستعيشها"! فقاطعها "انا بقبض من الحاكم العسكري خمس ليرات مكافأة على الاخبار، اراقب مَن من المعلمين يشتري ويقرأ "الاتحاد"!! كنسته تفاحة من بيتها واخبرت احد معارفها من رفاق الحزب ان احذروا الغبي عباس طلع عميل مغطس عند الحاكم العسكري. وكان الحزب يدرك انه "المرافق الامني" يلاحقه من خلال جواسيس وعملاء على مستويات مختلفة، المثقف المشحون بالرذالة والغبي الذي يشك احد بقدرته على الخدمة، وكل سخل مدجن وثمنه. وما يشرح الصدر ويشحن العزيمة بالتفاؤل الواعي ان مرحلة ارهاب الحكم العسكري واذنابه قد ولت وبقي شعبنا مرفوع الهامة يواصل مهمته الكفاحية، واعلمي يا تفاحة الوطن ان تفاح وطننا مثل زيتونه وزعتره وتينه ورمانه وصبره بقي متجذرا في تراب الوطن!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرية لأسرى الحرية

featured

بين اليونان.. ولبنان

featured

مواقف حزبنا الشيوعي وسياسته أثبتت صحتها، خاصة في اللحظات الصعبة

featured

المسّ بمشاعري

featured

حكومة برئاسة نتنياهو واليمين المتطرف دالة لكوارث مرتقبة؟

featured

حكاية إبريق الزيت

featured

عندما تعجب النفس صاحبها !