بعد حوالي خمس سنوات من كارثة تسونامي في آسيا، فوجيء العالم في بداية العام الجديد وتحديدا في 12 كانون الثاني بزلزال مدمر آخر في هايتي بأمريكا اللاتينية وهو الأمر الذي يبعث برسالة مفادها أن الإنسان مازال ضعيفا أمام غضب الطبيعة رغم وصوله للقمر وامتلاكه أسلحة دمار شامل .
وكان زلزال بلغت قوته 7.3 درجة على مقياس ريختر ضرب هايتي مساء الثلاثاء الموافق 12 كانون الثاني وأدى لوقوع دمار واسع النطاق، حيث أفادت الأنباء الواردة من هناك أن وسط العاصمة بورت أو برنس دمر بشكل كبير وانهار تماما عدد من المباني من بينها القصر الرئاسي ومقر بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والفنادق والمنشآت الحكومية .
وبالنظر إلى انقطاع الاتصالات الهاتفية الأرضية والنقالة عقب الزلزال، فقد زادت المخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى بشكل يفوق التصورات، فانقطاع الاتصالات عرقل عمليات الإنقاذ، كما تبع الزلزال القوي عشر هزات ارتدادية بلغت قوة اثنتين منها 5 درجات على مقياس ريختر.
بل وكشف مركز المسح الجيولوجي الأمريكي أن قوة الزلزال تمركزت على بعد 10 كيلومترات تحت باطن الأرض وهو عمق ليس بالكاف لامتصاص قوته التي شعر بها سكان شرقي كوبا، مما أدى إلى صدور تحذير من حدوث موجات مد بحري "تسونامي" .
حالة ذعر بين الناجين
وقال مركز تسونامي في منطقة المحيط الهادئ إن من ضمن الدول التي شملها الإنذار جمهورية الدومينيكان وكوبا وجزر الباهاماس، وأضاف المركز أن تهديدا بحدوث تسونامي مدمر على نطاق واسع غير قائم بناء على قاعدة البيانات التاريخية الخاصة بحدوث الزلازل وموجات تسونامي.
وتابع قائلا :" لكن هناك إمكانية حدوث تسونامي محلي يمكن أن يؤثر على السواحل الواقعة على مسافة لا تبعد بمائة كيلومتر عن مركز الزلزال".
وبعد ساعات من التحذير السابق، أعلن مركز تسونامي في منطقة المحيط الهادئ عن إلغاء الإنذار في هذا الصدد، ورغم إلغاء الإنذار إلى أن خبراء البيئة حذروا من أن الدمار الناجم عن الزلزال سيكون كبيرا نظرا لقرب مركزه من سطح الأرض .
وبالفعل فإن التقديرات الأولية الرسمية تكشف عن أرقام مفزعة في هذا الصدد، حيث أعرب رئيس هايتي رينيه بريفال الذي نجا من الموت بأعجوبة بعد انهيار القصر الرئاسي وهو بداخله عن اعتقاده بأن آلاف الأشخاص لقوا حتفهم في الزلزال القوي الذي ضرب الجزيرة في 12 كانون الثاني.
وأضاف في تصريحات لصحيفة "ميامي هيرالد" الأمريكية، قائلا :"المشهد في العاصمة بورت أو برنس لا يمكن تخيله فالبرلمان انهار ومصلحة الضرائب انهارت والمدارس انهارت والمستشفيات انهارت".
وفي السياق ذاته، أصدرت حكومة هايتي بيانا رجحت فيه مقتل 200 ألف شخص على الأقل وتضرر 3 ملايين آخرين في تلك الكارثة، كما أعلن رئيس وزراء هايتي جين ماكس بيليريف أن الزلزال المدمر الذي ضرب بلاده أوقع الآلاف من القتلى، قائلا :" نرى كثيراً من الناس في الشارع، ليس في مقدورنا معرفة أين يعيشون، ولكن كثير من المباني وكثير من الأحياء تدمرت تماماً، ولم نشاهد ناجين في أحياء أخرى" .
تداعيات سياسية
ويبدو أن آثار الكارثة لن تقف عند القتلى والجرحى ودمار المنشآت، فهي سيكون لها بلا شك تداعيات سياسية خاصة وأن هايتي لها تاريخ طويل من العنف وعدم الاستقرار ويعيش معظم سكانها الذين يبلغ عددهم 10 ملايين نسمة على دخل لا يتجاوز دولارين يوميا حيث تعاني من أوضاع اقتصادية متردية ونسبة بطالة عالية ورغم أنها شهدت انتخابات ديمقراطية عام 2006 إلا أن قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة مازالت ترابط فيها خشية تجدد أعمال العنف هناك .
وبالنظر إلى أن هايتي تقع في أمريكا اللاتينية التي تعرف بالحديقة الخلفية للولايات المتحدة، فقد تحركت واشنطن على وجه السرعة لاحتواء آثار كارثة الزلزال قبل أن تستفحل وتعود الاضطرابات مجددا.
فمعروف أن نظام الحكم في هايتي يكاد يكون الوحيد المتبقي في أمريكا اللاتينية الذي مازال يدين بالولاء لواشنطن على عكس كوبا وفنزويلا وبوليفيا ودول أخرى أعلنت راية العصيان في وجهها .
ولعل التدخل العسكري الأمريكي في هايتي في الستعينيات يؤكد مدى أهمية استقرار تلك الدولة لواشنطن، فبالإضافة إلى وجود جالية كبيرة من هايتي داخل الولايات المتحدة، فإن عودة عدم الاستقرار هناك يعني تدفق مزيد من المهاجرين عليها، بجانب أن مبادرة فنزويلا وبوليفيا لاحتواء تداعيات كارثة الزلزال يعني لواشنطن خسارة ما تبقى لها من حلفاء في أمريكا اللاتينية .
وما يضاعف مخاوف واشنطن أنه قلما تمتع شعب هايتي بالاستقرار منذ الاستقلال في ثورة ضد الاحتلال الفرنسي قبيل 200 عام حيث خضع لحكومات ديكتاتورية تعاقبت عليه في أعقاب ما يزيد على 30 انقلابا عسكريا .
ورغم أن جون برتراند أرستيد كان أول رئيس لهايتي ينتخب بطريقة دمقراطية عام 1990، إلا أنه أطيح به بانقلاب في غضون أشهر وأعيد إلى السلطة مرة أخرى عام 1994 بعد غزو قادته الولايات المتحدة، وفاز بفترة رئاسة ثانية مدتها خمس سنوات عام 2000.
وسرعان ما واجه هذا الرئيس المدعوم من واشنطن تمردا واسع النطاق في 2004 عندما سيطرت المعارضة المسلحة علي 11 مدينة في شمال البلاد وكانت في طريقها للسيطرة على العاصمة وتدخلت واشنطن مجددا ولكن هذه المرة لإقناع أرستيد بالتنحي والذهاب للمنفى، خاصة وأن المعارضة المسلحة كانت تدين بالولاء لواشنطن وكانت في السابق من مؤيدي أرستيد إلا أنها انقلبت ضده في أعقاب اتهام حكومته بالضلوع في اغتيال زعيمها أميوت ميتاير في 2003، بالإضافة إلى تنامى السخط الشعبي ضد حزب أرستيد الحاكم منذ اكتساحه الانتخابات التشريعية عام 2000 والتي شكك المراقبون في نزاهتها، بجانب تفاقم الأوضاع الاقتصادية إثر تجميد مساعدات دولية بملايين الدولارات بسبب النتيجة المشكوك فيها للانتخابات وأخيرا توجيه جماعات المعارضة أرستيد بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان وتم تجميد مساعدات خارجية بملايين الدولارات بسبب النتيجة المشكوك فيها للانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2000.
إغاثة أمريكية
وبعد تنحي أرستيد، أجريت انتخابات دمقراطية في 2006 وجاء نظام جديد حليف لواشنطن، إلا أن هذا لم يبعد المخاوف من عودة عدم الاستقرار ولذا انتشرت قوات حفظ سلام دولية هناك، والآن وبعد كارثة الزلزال، حذرت منظمات إنسانية من حدوث اضطرابات اجتماعية بسبب عجز الحكومة عن مواجهة تداعياتها ولذا تحركت واشنطن سريعا للحيلولة دون هذا الأمر .
ففي تعليقه على الكارثة، أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه يتابع الموقف في هايتي عن كثب، مؤكدا قيام بلاده بتقديم مساعدات فورية للمنكوبين .
وأضاف في بيان له " أفكاري وصلواتي تتوجه إلى الذين ضربهم هذا الزلزال، نتابع الوضع عن كثب ونحن سنقدم مساعدات فورية إلى الشعب الهايتي".
وبعد إصدار البيان السابق، أمر أوباما حاملة طائرات أمريكية وباخرة عسكرية أخرى تحمل أكثر من ألفي جندي من قوات البحرية بالتوجه بأسرع وقت ممكن إلى هايتي للمساعدة في عمليات الإنقاذ وانتشار المحاصرين تحت الأنقاض.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أن عدد قتلى زلزال هايتي يقدرون بالآلاف وأن إجمالي عدد الذين تأثروا به يقارب 3 ملايين.
وأكدت كلينتون التزام بلادها بتقديم مساعدة لهايتي على المدى الطويل لتجاوز آثار الزلزال الذي ألحق دمارا واسعا بهذا البلد الذي يعتبر واحدا من أفقر البلدان.
وأضافت أن المهمة العاجلة هي إنقاذ حياة آلاف المصابين ومعالجتهم وتقديم المعونات العاجلة من دواء وغذاء ومأوى، وسرعان ما فوجىء العالم يوم السبت الموافق 16 يناير وبعد أربعة أيام من الزلزال بمؤتمر صحفي يكاد يكون نادرا من نوعه، حيث ظهر خلاله ثلاثة رؤساء أمريكيين هم الرئيس الحالي باراك أوباما وسلفه جورج بوش والرئيس الأسبق بيل كلينتون للإعلان عن إطلاق صندوق إغاثة لمساعدة ضحايا كارثة زلزال هايتي ولحث الأمريكيين على المسارعة للمشاركة في هذا الصندوق .
وكشف أوباما خلال المؤتمر الصحفي عن بدء واشنطن أكبر عملية إغاثة في التاريخ الأمريكي لمساعدة المنكوبين، داعيا كل من يرغب في المساعدة إلى زيارة الموقع الإلكتروني الذي تم إطلاقه لمساعدة هايتي.
وبصفة عامة فإن الزلزال بعث برسالة لأوباما مفادها أن غضب الطبيعة قد ينسف خططه تماما في أمريكا اللاتينية، حيث سارعت قوات حفظ السلام الدولية للانتشار في بورت أو برانس للسيطرة على أعمال العنف وحماية المطار والمباني العامة بعد انتشار الأنباء حول عمليات سلب ونهب عقب وقوع الزلزال مباشرة، بالإضافة إلى تزايد تردي الوضع في العاصمة في ضوء غياب التنسيق في أعمال الإنقاذ وضعف الخدمات الطبية .
ويبقى الأمر الأهم وهو أن واشنطن التي تسارع لإرسال جيوشها لاحتلال بلدان عربية ومسلمة تجد نفسها عاجزة أمام مثل تلك الكوارث، ولذا يجب عليها المسارعة وقبل فوات الأوان للتنسيق مع دول العالم لمواجهة التغيرات المناخية وخطر ظاهرة الاحتباس الحراري بدلا من التفكير في غزو بلدان أخرى بعد العراق وأفغانستان .
ولعل تزامن كارثة هايتي مع إحياء ذكرى "تسونامي آسيا " يؤكد أن الأسوأ مازال بالانتظار في حال واصل الغرب تجاهله لقضايا البيئة وغضب الطبيعة، ففي 26 ديسمبر الماضي، حلت الذكرى الخامسة لموجات المد البحري "تسونامي" والتي تعتبر أسوأ كارثة طبيعية سجلت منذ عقود حيث قتل خلالها أكثر من 220 ألف شخص وأضرت بحياة ملايين آخرين حول المحيط الهندي.
وخرجت مسيرات عدة في هذه الذكرى في عدد من الدول الآسيوية لتذكير العالم بالماسأة التى وقعت في 26 كانون الأول 2004 والتي نجمت عن زلزال هائل بلغت قوته 9,3 درجات.
وفي اقليم آتشيه الإندونيسي الذي دفع الثمن الأفدح في الكارثة، نظم يوم للصلاة في مساجد هذه المنطقة على أرواح 168 ألف قتيل ومفقود، وشارك نائب الرئيس الإندونيسي بويديونو في الصلاة على أرواح الضحايا وفي سريلانكا، حيث تتحدث منظمات العمل الانساني عن مقتل 31 ألف شخص، وقف سكان الجزيرة دقيقتي حداد على قتلى الكارثة. وبالنسبة لتايلاند، حيث قضى المد البحري الهائل على حياة 5394 شخصا بينهم 2248 أجنبيا من 37 جنسية، خرجت مسيرات في جزيرة فوكيت السياحية جنوبي البلاد .
والخلاصة أن العالم بحاجة للتعاون والتنسيق لمواجهة الكوارث الطبيعية بدلا من إشعال الحروب والتسابق في تدمير البيئة وتهديد الحياة على الكرة الأرضية .
