"الميدان" ما بين طقّ الحنك وطقّ الجزدان  // 

single
أصدر مسرح الميدان في مطلع الشهر الماضي (تموز 2015) بيانًا الى الرأي العام جاء فيه " كما تعلمون منذ ثلاثة أشهر، قامت بلدية حيفا بتجميد دعمها لعام 2015 بمبلغ 1275000 شاقل... وقامت الوزيرة ميري ريغف بايقاف دعم وزارة الثقافة للمسرح وقدره 1075000 شاقل، كما قام الوزير نفتالي بينيت باخراج مسرحية الزمن الموازي من السلة الثقافية"... وذلك "لكون هذه المسرحية تعكس معاناة أسرانا في السجون الاسرائيلية". اختتم المسرحُ بيانه قائلا: "هذه العقوبات المتتالية، هي بداية لحملة هوجاء من الملاحقات السياسية، تشنها حكومة اليمين المتطرف على الثقافة والفن الفلسطيني" ومؤكدا بصورة جلية واضحة على الضائقة المالية الشديدة جدا التي يمر بها المسرح الآن والتي تجعله "بأمسّ الحاجة للدعم المادي كي لا تتحقق رغبة المتطرفين الصهاينة باغلاق المسرح" ومعربا عن "امله بجماهيرنا وشعبنا، الذين لن يقبلوا باغلاق احد روافد فننا وثقافتنا".
إنني واثق كل الثقة بان جماهيرنا لا تريد اغلاق مسرح الميدان ولن ترضى بذلك، وذلك بدليل ما صدر عن كثيرين من ابناء شعبنا، من تصريحات واقوال وبيانات وآراء في الاجتماع الجماهيري الحاشد الذي عقد في قاعة المسرح في بداية الازمة، وما اذيع ونُشر وعُمّم في الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة، ومنها أقتبسُ ما يلي:
"شعبنا يستحق مسرحا وطنيا مستقلا يحصل على ميزانيات دعم غير مشروطة"
"نطالب بمعالجة الهجوم الذي يواجهه مسرحُ الميدان كملاحقة سياسية للثقافة الفلسطينية والمبدع الفلسطيني".
"أن ترفع وزارة الثقافة وبلدية حيفا يدها عن مسرح الميدان وان تعيد الميزانيات دون شروط ووقف كل اشكال الملاحقة والرقابة والضغط واشتراط التمويل". 
"على كلٍّ من وزارة الثقافة وبلدية حيفا ان تعيا جيدا باننا اصحاب حقّ موروث ثقافي غني واصيل، ولنا الحق في طرح قضايا شعبنا الانسانية والاجتماعية المختلفة والمتنوعة".
كل هذه الاقوال وغيرها الكثير الكثير، ومهما كانت صادقة وشرعية وعادلة وهي فعلا كذلك، لا تتعدى كونها تطلعات ومطالب تندرج في إطار المستقبل المنشود للمسرح. لكن هذا المستقبل الورديّ المنشود يقفُ بطبيعة الحال، مقصرا وعاجزا عن إسعاف الوضع الحاضر الحرج الموجود.
إن وضع مسرح الميدان الآن، وبعد توقف الدعم المالي من بلدية حيفا ومن وزارة الثقافة منذ ثلاثة أشهر، وبعد عدم حصوله على دعم ماليّ مأمول من "شعبنا وجماهيرنا" افرادا ومؤسسات رغم نداءات الاستغاثة ماضيا وحاضرا، اصبح هذا المسرح حاليا عاجزا عن القيام بالتزاماته المالية الدنيا كدفع اجرة القاعات والمكاتب ومستحقات المزوِّدين وثمن الماء والكهرباء والهواتف ناهيك عن دفع رواتب الموظفين والممثلين ومستحقاتهم المالية لضريبة الدخل والتأمين وغيرها، مما جعل ادارة المسرح تقرر مرغمة في اجتماعها الاخير قبل ايام قليلة، خروجَ كل الموظفين والممثلين باستثناء سكرتيرة المسرح، في اجازة غير مدفوعة، حتى تتضح الصورة. وهذا يعني أن استمرار تجميد الميزانية وعدم توفر السيولة المادية العاجلة ولو بحدّها الادنى، سيؤدي حتما الى اغلاق مسرح الميدان نهائيا.
أما الآن وقد اصبحنا على بيّنة من المنشود والموجود، وإزاء هذه الظروف الحرجة جدا التي يمرُّ بها مسرح الميدان، نتساءل: ما العمل؟
هل نستسلم للوضع الراهن ونكون شهودا لاغلاق مسرح الميدان؟ وفي هذه الحالة لن تقوم في تقديري، قائمة لهذا المسرح في غضون العقود القليلة القادمة، اي ريثما يعيد التاريخ نفسه فتتزامن ذات الظروف التي كانت قد توفرت لمسرح الميدان لدى تأسيسه، حيث كانت المرحومة السيدة شولميت الوني وزيرةً للثقافة والسيد عمرام متسناع رئيسا لبلدية حيفا.
أكادُ اسمع كلَّ مواطن عربي في هذه البلاد، يجيبني قائلا:" علينا ان لا نستسلم بل ان نناضل بكل الوسائل القانونية المتاحة، في سبيل المحافظة على مسرح الميدان". ولكن النضال الديمقراطي يا اعزائي بحاجة الى مساحة زمنية تتطلبها وسائل النضال الديمقراطي كالالتماسات والمكاتبات والمفاوضات والمظاهرات والاعتصامات والتوجهات الى مختلف المحافل المؤثرة محلية كانت ام دولية. هذه المساحة الزمنية يفتقر اليها حاليا مسرحُ الميدان المطالـَبُ بدفع فوري لمبالغ طائلة اخذت تتراكم عليه منذ تجميد دعم بلدية حيفا ووزارة الثقافة وما زالت تتراكم عليه يوميا كأجرة القاعات وضريبة الارنونا وتكاليف الماء والكهرباء والهاتف والتأمين والصيانة وما شابه، وإلا سيتمُّ تنفيذ الحجز المفروض عليه وإغلاق ابوابه نهائيا.
هذه المساحة الزمنية التي لا غنى حاليا لمسرح الميدان عنها، لا يمكن توفرها إلا اذا تجاوبنا اخيرا مع نداء الاستغاثة الذي وجهه مسرح الميدان قبل عدة اسابيع الى "جماهيرنا من مؤسسات وافراد واطر مختلفة" لدعم مسرح الميدان "من خلال شراء عروض لمسرحية الزمن الموازي ومسرحية 1945، أو دعمنا ماديا مباشرة، لمساعدتنا في الصمود والتصدي...".
فهل سنهبّ أخيرا لدعم هذه المؤسسة الجماهيرية العربية وإنقاذها مما يُحاك ضدّها، أو ان تأييدنا ونضالنا سيتوقفان عند حدود طقّ الحنك فقط، بدلا من طقّ الجزدان ايضا؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

عقليّة الترحيل والتشريد والاقتلاع !

featured

خيوط استهداف سوريا من الخليج الى ما خلف المحيط (2-2)

featured

إنتقادات بريطانية لافتة لإسرائيل

featured

وقاحة غير عادية!

featured

عام على معاناة المهجّرين في الشيخ جرّاح

featured

جماهيرنا العربية: ما بين المتابعة والمواجهة أو الحالتين معًا