لم نهاجر في يوم ما، من مكان ما على هذه الأرض، إلى وطننا كي نحصل على جواز سفر إسرائيلي ولكن إسرائيل جاءت إلينا، رغما عنّا، ووجدنا أنفسنا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي نناضل شعبيًّا وقضائيًّا للحصول على بطاقة هوية إسرائيلية وجواز سفر إسرائيلي كي نرسّخ صمودنا وبقاءنا في أرضنا وفي وطننا الذي لا وطن لنا سواه، ولكن يبدو أنّ عددا من أشقائنا العرب، بسبب البُعد أو بسبب الجهل، لا يفهمون ذلك، ولا يريدون أن يفهموا فيتهموننا بالأسرلة وبالتصهين وحتى بالخيانة لأننا نحمل جواز السفر الإسرائيلي في سفرنا وتنقُّلنا في دول العالم، وكأننا خُيِّرنا، بعد أن وضع هؤلاء الإخوة عدة جوازات من شتى الألوان، أمامنا على الطاولة، فاخترنا الجواز الإسرائيلي الأزرق.
شاركتُ في ندوة عن التعليم في هافانا في آب 1978 وتحدثتُ عن أوضاع التعليم العربي في إسرائيل وما يعانيه من نقص في الأبنية والأجهزة، وعن المناهج الدراسية السيئة التي تربّي إلى العدميّة القوميّة، كما تحدثتُ عن العنصريّة والشوفينيّة في أدب الأطفال العبريّ، والتنكر لوجود الآخر في منهاجي الأدب والتاريخ في المدارس العبرية، وقد اهتم الحاضرون بمداخلتي وبخاصة وسائل الإعلام ما عدا شابين عراقيين بعثيين كانا يقاطعاني ويصرخان: بأيّ جواز سفر جئت إلى هنا؟ وحاول أحدهما الصعود إلى المنصّة ليوزّع وطنيّة وقوميّة على الحاضرين.
وزرتُ تونس وصديقي الناقد د.نبيه القاسم في نيسان 1994 تلبية لدعوة كريمة من الصديق الكاتب يحيى يخلف، رئيس الدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية يومئذ، وفي أثناء الزيارة رتّب لنا أبو الهيثم محاضرة في مقر اتحاد الكتّاب التونسيين في العاصمة حضرها عدد كبير من الأدباء والشعراء التونسيين الذين استقبلونا بترحاب عربيّ أصيل، وقد رحّب بنا الأستاذ الميداني بن صالح، رئيس اتحاد الكتّاب التونسيين وقدمنا للجمهور، فتحدّثنا بإسهاب عن ثقافتنا في الداخل، عن أدب المقاومة شعرا وقصّةً وروايةً كما قدّمنا نبذة عن المسرح وعن الفن التشكيليّ وعن الغناء، ولاحظنا الاهتمام الكبير بمحاضرتينا من السيدات والسادة الحاضرين. وعندما فتح الأستاذ الميداني باب النقاش وقف صحافيّ شاب وسألنا بلهجة عدائية "عن الخدمات التي قدّمناها لحكومة العدو الصهيونيّ" حتى حصلنا على جواز السفر، فضجّ معظم الحاضرين استنكارا للسؤال وأمره رئيس الاتحاد بأن يغادر القاعة إلا انني تدخلتُ أن يسمح له بالبقاء كي يسمع إجابتي. شرحتُ يومئذٍ الموضوع مطوّلا وذكرتُ أنّ اليمين الإسرائيليّ المتطرف يطالب بحرماننا من جواز السفر وسألته: هل تريد أن أبقى سجينا في الداخل أم ترغب بأن أهاجر إلى العالم العربيّ وأزيد اللاجئين لاجئا آخر كي أحصل، بعد لثم راحة زعيم وتقبيل لحية شيخ، على جواز سفر من الصومال أو من جيبوتي؟
وقف الأخ يحيى يخلف وقال: لو كان بالإمكان أن يعطيني محمد جواز سفره لحملته وعدتُ إلى الوطن لأشمّ عبير أزهاره ورائحة ترابه وأزور قريتي سمخ وأجلس على شاطئ البحيرة وأغسل قدميّ بمائها... وأبقى هناك.
عاد يحيى يخلف إلى الوطن ورافقته إلى سمخ وكان في جيبه جواز سفر أخضر وفي جيبي جواز سفر أزرق وفي قلبينا جواز واحد فقط.
