سُئل المفكّر والكاتب الرّوائيّ الإيطاليّ الكبير أمبرتو ايكو عن السّرّ الخفيّ الذي ألهمه روايته الرّائعة "اسم الوردة" التي تُرجمت إلى عدّة لغات عالميّة وبيع منها ملايين النّسخ فأجاب: شدّة كراهيّتي للرّهبان.
هذه الإجابة الحادّة أذهلتني وجعلتني أفكّر بعمق لفترات طويلة ومتكرّرة بفحواها وأبعادها، فلا يُعقل أن يلقي الكلام على عواهنه مفكّر كبير وروائيّ عالميّ وأستاذ جامعيّ له تأثير كبير على طلابه وقرّائه مثل أمبرتو ايكو. ووقفتُ والأصحّ توقّفتُ مليّا أمام السّؤال الصّعب: هل المحبّة أم الكراهيّة هي ينبوع الإبداع ؟
يحبّ الإنسان الطّبيعة: جبالها وسهولها ومروجها ووديانها وأنهارها وأشجارها وأزهارها ونباتاتها وعصافيرها وفراشاتها فيكتب القصص وينظم القصائد ويؤلّف الأغاني والسّمفونيّات ويرسم اللوحات في مديحها. ويحبّ الرّجل المرأة أو تحبّ المرأة الرّجل فيبدع القصائد والقصص والروايات والأغاني والموسيقى والرسومات معبّرا عن هذا الحبّ. ويحبّ المناضل والثّائر الحريّة فيحلّق في التّغنّي بها.
لولا حبّ الحريّة ما قرأنا قصائد لوركا وأراغون وناظم حكمت ونيرودا وبرخت. ولولا حبّ الرّجل للمرأة ما قرأنا قصائد عمر بن أبي ربيعة وابن الملوّح ونزار قبّاني. ولولا حبّ الإنسان للطّبيعة ما قرأنا أعمال جون كيتس ووليام وردزورث وجبران خليل جبران. ولولا حبّ المرء لوطنه ومسقط رأسه ما قرأنا روايات نجيب محفوظ وأمين معلوف والطّاهر وطّار ومحمد ديب. ولولا حبّ الإنسان للحياة ما كتب اليونانيّ نيكوس كازانتيزاكيس رائعته "زوربا اليونانيّ".
يقولون أنّ الحبّ يفعل المعجزات وأمّا أمبرتو ايكو فيرى أنّ الكراهيّة قد فعلت المعجزة معه.
لولا كراهيّة ليون تولستوي للحرب وللجنرال نابليون بونابرت الذي غزا روسيا ما كانت رائعته الخالدة "الحرب والسّلام". ولولا كراهيّة عبد الرّحمن منيف لحضارة النفط وما ترتّب عليها ما كتب عمله الرّوائيّ الكبير "مدن الملح".
قد نطرح أمثلة عديدة في المحبّة والكراهيّة، في الشّعر وفي النّثر، كما تجيب على سؤالنا أيضا لوحات فنيّة خالدة للفنّانين العظماء أمثال فان كوخ وبابلو بيكاسو ودافينتشي ومؤلفات موسيقيّة لبيتهوفن وموتسارت وباخ و "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي.
ويبقى السّؤال الكبير الحادّ: المحبّة أم الكراهيّة أم كلاهما ينبوع الفن والعطاء والإبداع؟
قد يجد كلّ مبدع سواء كان شاعرا أو روائيّا أو رسّاما أو موسيقيّا أو غير ذلك إجابة على هذا السّؤال في أعماله، ولكن يرحل الإنسان من على الأرض ومن الحياة وتتلاشى الكراهيّة في الفضاء أو تُدفن في لحده وأمّا الحبّ فيبقى على وجه الأرض وبين البشر !!
