تذكرني محاولة تلخيص شخصية وأعمال توفيق طوبي ببعض شطرات قصيدة الشاعر الألماني المناهض للنازية، برتولد بريخت،المسماة "مدائح الشيوعية":
" العقل المستقيمُ هو، يتجلّى للجميع. يدخل إلى القلب..
إنه ليس الجنون، وإنما
حافة الجنون.
ليس هو الفوضى،
إنما النظام.
إنه السهل الممتنع".
إن تضافر العقل المستقيم، والنظام، والتعاطي بشجاعة وبتصميم مع الصعوبات، التي تتراكم بلا هوادة في طريق الشيوعيين، طريقه- إن هذا التضافر هو الذي مكّن توفيق طوبي من كسب تلاميذ سياسيين جدد، وتحمّل عبء المسؤولية التي أخذها على نفسه عن وعي وتصميم.
إن تمسكه بحل سياسي لدولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل وحل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، نابع من تحليله للشروط التاريخية للصراع القومي، ومن انخراط شخصي عميق فيه. منذ شبابه، في سنوات الـ 40 من القرن الـ 20، كان طوبي قائدا للشعب الفلسطيني في معركته ضد الانتداب البريطاني ومن أجل استقلال البلاد، ولحماية العمّال العرب، وبقي كذلك في السنوات اللاحقة أيضا. في بداية سنوات الـ 80، في أحد اللقاءات مع ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية، الذي شارك فيه أيضا الشاعر محمود درويش، كنتُ شاهدةً كيف يتعطّش ممثلو المنظمة لكلامه، وكيف تعاملوا معه كقائد، ومُلهم وصاحب تجربة. إن حكمته وتجربته المديدة منحتاه مكانة شخصية معروفة تحظى بالتقدير في العالم- في الحركة الشيوعية العالمية وفي مجلس السلام العالمي كذلك.
إن الاهتمام، والانخراط الشخصي العميق، والصبر السياسي وطول النفَس ميّزت مسيرته الحافلة بالعمل. الهدف، من ناحيته، كان- تحقيق تضامن جماهيري واسع في المعركة ضد الاحتلال، وتحقيق السلام وحماية الديمقراطية وحقوق العمّال، لكن من أجل قيادة الجماهير، عاد وأكّد، يجب ان لا ننقطع عنها. كان يهتم بأن يُكتب كل بيان صحفي للحزب الشيوعي، ولاحقا للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، بمصطلحات ولغة مفهومة للجمهور تأخذ حساسياته بالحسبان. "الثورية"- قال في حوار مع الصحفي توم سيجف( ديسمبر 1985)- " هي خلق الشروط، التي تمكّن من التقدّم الاجتماعي".
كان يحضّر بدقّة كل خطاب ألقاه في الكنيست أو في اجتماع حزبي، وبنفس الدقّة لم يترك أي توجّه إليه، بأي موضوع كان، دون إجابة أو تعامل ملائم. وقد تعامل بنفس الدرجة العالية من المسؤولية والانخراط الشخصي مع الصياغات السياسية والأسئلة التنظيمية اليومية. لذا كان مطّلعا أكثر من أي شخص آخر على تفاصيل الانتخابات للكنيست والسلطات المحلية، وتفاصيل النشاطات في فروع الحزب المختلفة، وعمل المنظمات الديمقراطية.
كان توفيق طوبي رجل شرف، لكن ليس رجلا من ميثاق شرف. لقد نفر من التصرفات العدوانية وشق الطريق بقوة الذراع، خصوصا من جانب الرفاق والأصدقاء. رفاقه السياسيون وخصومه احترموه على حد سواء، لأنه احترمهم بالمقابل، ولأن نقاشاته كانت بهدف الإقناع، ولأنه كان منفتحا بالكامل على مختلف الآراء، ولأنه لم يحدث أبدا أن حوّل اختلاف الآراء إلى عداوة شخصية.
"إن تجريد أقلية قومية من حقوقها يؤدي إلى تجريد كل مواطني الدولة من الديمقراطية والحرية. لا يمكن تجزئة الديمقراطية والحرية" – إن تحذير توفيق طوبي هذا، الذي تضمنه خطابه الاول في الكنيست( 9/3/1949)، يلخّص كثيرا من المواضيع، التي كُرّس عمله الجماهيري لها على مدار أكثر من نصف قرن: مطلب الاعتراف بالمواطنين العرب في إسرائيل كأقلية قومية واحترام حقوقهم، الدفاع عن الديمقراطية كجهاز جماهيري حيوي، والنضال ضد وهم أنه بالإمكان، وبمرور الوقت، إقامة حيّز ديمقراطي مزدوج بخصوص مجموعة من المواطنين، وتجريد حقوق وقمع مباشر لمجموعة سكانية أخرى. بالنسبة لتوفيق طوبي، كانت المعركة لإلغاء الحكم العسكري (1948- 1966) وكشف جرائمه ( مجزرة كفرقاسم، 1956)، والمعركة ضد برنامج بن غوريون وحزبه، مباي، لإخراج الحزب الشيوعي خارج القانون، والمعركة للحفاظ على حقوق العمّال والنساء- معركة واحدة للدفاع عن الحرية والديمقراطية.
في 2012، وفي ظل تصاعد المخاطر على الديمقراطية، يجلجلُ تحذير/ نبوءة توفيق طوبي لمناحيم بيغن، رئيس الليكود في حينه ورئيس الحكومة، خلال مواجهة كلامية في الكنيست: "إنكم سوف تجهزون على ما تبقّى من الديمقراطية " ( 20/3/1979).
كانت لتوفيق طوبي نظرية ثابتة ليس فقط بكل ما يخص شجب الظلم، بل بكل ما يتعلق بإدارة المعركة من أجل مجتمع تقدمي. لقد اعترض على "اختصارات الطريق" والائتلافات غير المبدئية في السياسة، وقد تمسّك بنضال جماهيري يهودي- عربي واسع قدر الإمكان. لم يكل من العودة والتذكير، المرة تلو المرة، بأن الوحدة اليهودية- العربية هي "إكسير الحياة لحزبنا الشيوعي الإسرائيلي... وستكون المنارة، التي تنير الطريق لكلا شعبينا، اليهودي والعربي، لمستقبل أكثر سعادة"( من افتتاح المؤتمر الـ 17 للحزب الشيوعي الإسرائيلي، 1972).
إن ميراث توفيق طوبي السياسي هو التفاؤل الواقعي. وكشخص اختار العمل في السياسة على مدار حياته، فقد أظهر لنا، إلى أي مدى المعرفة والمسؤولية ضروريتان لهذا العمل الهام والحيوي. لقد علّمنا، أن السياسة الشيوعية إنما ترتكز إلى الإحساس العميق، بأن مخاوف الناس هي ، أيضا، مخاوفك. من ناحيته، كانت السياسة تسلّق جبل عال بهدف الوصول إلى قمته، لكن مع نظرة واقعية، أن هناك دائما قمة أعلى لنصل اليها.
- من كتاب " توفيق طوبي- مسيرته" الذي ستصدره عائلة الفقيد الكبير .
