شدّتني الدّراسة العلميّة العميقة والرّصينة "القدس والإسلام" للباحث والمؤرّخ د. خليل عثامنة أستاذ التّاريخ والدّراسات الإسلاميّة في جامعة بير زيت التي كتبها بأسلوب علميّ نقديّ تحليليّ وبلغة عربيّة متينة فجاءت تسدّ فراغا مذهلا وبخاصّة إذا عرفنا أنّ ما كتبه الباحثون العرب قليل بل نادر مقارنة بما كتبه الباحثون الأجانب ونشروه عن مدينة القدس.
تصدر هذه الدّراسة عن "مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة – بيروت" في فترة تتعرّض فيها مدينة القدس، مدينتنا "لأقسى مرحلة من مراحل الصّراع مع الصّهيونيّة ممثّلة في حملة التّهويد الجارفة التي تجاوزت ما سبقها من حملات كانت تقتصر على محاولة تزوير الحقائق وتشويه المعطيات التّاريخيّة والجغرافيّة للأرض والمكان" أمّا حملة هذه الأيّام فتهدف إلى "طمس الوجه العربيّ والإسلاميّ للمدينة".
قادت الحركة الصّهيونيّة والمؤسّسة الإسرائيليّة حملة علميّة تهدف إلى اختراع تاريخ آخر للقدس ينسجم مع مخطّطاتهما وتطلّعاتهما. ويذكر المؤرّخ عثامنة أنّ البروفيسور طريف الخالديّ أستاذ الدّراسات الإسلاميّة في الجامعة الأمريكيّة في بيروت تصدّى لهذه الحملات التّزويريّة التي يسعى الإستشراق لترويجها فكتب مقالا بعنوان "الصّراع بشأن تاريخ القدس" ونشره في "مجلّة الدّراسات الفلسطينيّة" العدد 72 فنّد فيه مقولاتهم وأثبت زيفها وهشاشتها. ويبدي المؤرّخ عثامنة أسفه وأساه لأنّ بعض المؤرّخين العرب اعتمدوا على أساطير روّجها بعض المستشرقين الصّهيونيّين أو المتعاطفين مع الصّهيونيّة فجعلوا من أسطورة الهيكل المنسوب إلى سليمان – على سبيل المثال – مسجدا سابقا للمسجد الأقصى. وهم حين يفعلون ذلك يحوّلون أنفسهم إلى أدوات مجّانيّة لتمرير أخطر الطّروحات الأيديولوجيّة الصّهيونيّة التي أثبت البحث العلميّ الرّصين زيفها وبطلانها وهم بذلك يتناسون "أنّ مثل هذه الأساطير قد استُخدم لطمس حقائق التّاريخ الفلسطينيّ وتشويه الصّورة الأصيلة التي تربط الأمّة العربيّة بمدينة القدس".
تتمحور دراسة عثامنة الهامّة "حول العلاقات التي تربط مدينة القدس بالإسلام – العقيدة والمؤسّسة – ببعدها الفكريّ والحضاريّ وتراثها العمرانيّ والسّياسيّ" وترافق هذه الدّراسة الممتعة زهرة المدائن منذ انتشار المسيحيّة في جزيرة العرب قبل الإسلام مرورا بزيارة الفاروق إلى القدس واهتمام معاوية بها وجعلها عاصمة للخلافة حتّى تحرير صلاح الدّين لها من الغزاة الفرنجة، وقد تقصّى المؤلّف الصّلات والوشائج التي تربط الإسلام والمسلمين بمدينة القدس وغاص في أغوار التّراث الدّينيّ والفكريّ للإسلام بحثا عن جذور هذه العلاقة وجوهرها.
أعادتني هذه الدّراسة إلى فترة دراستي الجامعيّة حينما اهتممت بالعصر الأمويّ، سياسة وفتوحات وعمرانا وبخاصّة في فلسطين، وما زلت أحنّ إلى كتب تاريخيّة وتراثيّة قرأتها في تلك السّنوات فذكّرني المؤلّف بها.
كلّما زرتُ مدينة القدس عرّجتُ على كنيسة القيامة والمسجد الأقصى وقبّة الصّخرة وقرأتُ في حجارة القدس القديمة التّراث العربيّ الإسلاميّ والمسيحيّ وشاهدتُ في شوارعها العتيقة وهضابها التي تتنفّس تاريخا: الفاروق وصفرونيوس ومعاوية والوليد وصلاح الدّين وعبد القادر الحسيني وابنه الفيصل وكبّوتشي وروحي الخالديّ وخليل السّكاكيني وإسعاف النّشاشيبيّ وبندلي الجوزيّ وإسحاق الحسينيّ وجبرا إبراهيم جبرا والقائمة غنيّة.
