// وفي الواقع فإن الفلسطينيين المتوزّعين على أقاليم عديدة هم في غاية الضعف إزاء قياداتهم، وهم في غاية الحساسية إزاء كياناتهم السياسية، فهم في أمسّ الحاجة إليها، لأنها بمثابة وطن افتراضي لهم، ولأنها الحالة الوحيدة التي تؤكد عليهم كشعب
قبل 18 عاما، وفي مفاوضات سرية استمرت عدة أشهر، توصل بعض القياديين الفلسطينيين مع بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى اتفاق أوسلو (في النرويج)، بدون علم القيادات الأخرى.
هكذا لم تحصل هذه النقلة النوعية، التي كان لها انعكاسات خطيرة على الحركة الوطنية الفلسطينية، بنتيجة نقاشات ودراسات، ولا بنتيجة المفاضلة بين خيارات وسيناريوهات، جرى التداول فيها أو التمعّن بها واتخاذ القرار بشأنها في الإطارات الشرعية، كما لم يتم التمهيد لهذا الأمر في المجال المجتمعي.
وفي كل الأحوال فقد مرّ هذا الاتفاق فيما بعد بفضل المكانة التي كان يحتلها الرئيس الراحل ياسر عرفات، أي بفضل مكانته كزعيم للشعب الفلسطيني، وبحكم هيمنة حركة "فتح" على المؤسسات الفلسطينية الشرعية، وأهمها اللجنة التنفيذية للمنظمة، وأيضا بسبب تنامي شعور عند الفلسطينيين بانغلاق الأفق أمام انتفاضتهم التي كان لها من العمر ستة أعوام، بحكم التحولات الدولية والإقليمية التي حصلت وقتها (التداعيات الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية).
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها بهذه الطريقة الانفرادية والمزاجية والمتعجّلة اتخاذ قرارات مصيرية ومكلفة في شأن العمل الفلسطيني، وفي شأن توجيه دفة القضية الفلسطينية، كما لم تكن تلك المرة الأخيرة بكل تأكيد.
ومثلا، فقد تم بعدها، وبنفس الروحية، تعديل بنود "الميثاق الوطني" (في غزة 1996)، كما تم خوض غمار المفاوضات على الحل النهائي (كامب ديفيد2000)، ثم التوجه إلى الانتفاضة الثانية، التي طغى عليها طابع المواجهات المسلحة، وها هم الفلسطينيون يقفون اليوم أمام مايسمى استحقاق أيلول/ سبتمبر دون أن يشاركوا في التقرير بشأنه أو بحيثياته، وحتى دون أن يعرفوا كنه هذا الموضوع، أو ما هي أبعاده، أو ماهو مطلوب منهم.
وفي الواقع فإن الفلسطينيين المتوزّعين على أقاليم عديدة هم في غاية الضعف إزاء قياداتهم، وهم في غاية الحساسية إزاء كياناتهم السياسية، فهم في أمسّ الحاجة إليها، لأنها بمثابة وطن افتراضي لهم، ولأنها الحالة الوحيدة التي تؤكد عليهم كشعب.
المشكلة أن هذه القيادات والكيانات تعرف هذه الحالة وتبني عليها هيمنتها على المجال المجتمعي الفلسطيني، لاسيما أن هذه القيادات والكيانات متحررة من ضغط مجتمعها عليها لافتقاده إقليما خاصا مستقلا، ولتوزعه على عدة دول، ولكون هذه الكيانات تستمد مواردها من الخارج، أكثر مما تستمدها من شعبها.
ولعل هذه الحقائق هي التي تفسر حقيقة أن المجتمـــع الفلسطيني هو الغائب الأكبر في مجمل التجاذبات والتفاعلات والمداولات الفلسطينية، التي باتت تنحصر اليوم في طبقة سياسية مهيمنة، متموضعة في الفصائل السائدة؛ بغض النظر عن التباين في مواقفها وفي توظيفاتها السياسية.
ويمكن القول بأن واقع تفاقم حرمان الفلسطينيين من المشاركة السياسية ازداد بعد قيام السلطة، التي باتت تتحكم بمجتمعها في الضفة والقطاع، وحيث باتت لها مؤسسات سلطوية وخدمية تتبع لها، لاسيما بعد تحولها من حركة تحرر إلى سلطة بمعنى الكلمة، في الضفة وغزة.
مع كل ذلك نستطيع القول إن مسار تحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة لم يبدأ مع قيام الكيان الفلسطيني، في الضفة والقطاع (1994)، وإنما هو نشأ قبل ذلك بكثير. وفي الواقع فقد كانت تلك الحركة، منذ مراحلها المبكرة، اتسمت بنوع من الازدواجية، بين كونها حركة تحررية، من جهة، وكونها نوعاً من سلطة (في أماكن وجودها)، من جهة ثانية؛ بالنظر إلى طغيان طابعها العسكري، وتفشي ظاهرة "التفريغ" (أو الزبائنية) في إطاراتها، وقيامها بأعمال خدمية للمجتمع في مختلف أماكن وجودها.
بالنتيجة، فإن محدودية قدرة الحركة الفلسطينية على العمل مع مجتمعها (أو "مجتمعاتها")، أضعفت مجالها المجتمعي، وأسهمت في عزلها عنه. وفي المقابل، فقد أدى كل ذلك إلى الحد من قدرة المجال المجتمعي على المشاركة وعلى التأثير فيها.
ثمة نتيجة أخرى، تمخضت عن هذا الوضع أيضاً، تتمثل في أن هذه الحركة (وعلى رغم طابعها الشعبوي الشكلي)، باتت وكأنها عابرة للمجتمع، أو فوق المجتمع، حيث شكلت المنظمات الفلسطينية نوعاً من مجتمع مواز، للمجتمع الفلسطيني العادي، له سماته الخاصة، بعلاقاته وطريقة تحصيله لموارده، وقد انسحب ذلك على طريقة نظرة هذا "المجتمع" إلى السياسة، والعمل السياسي (بالمعنى السلبي للعبارة).
وعلى الأرجح، فإن ظاهرة العزل والتفارق والتمايز بين الحركة الفلسطينية ومجتمعها ليست ظاهرة خاصة بها، إذ شهدتها قبلها غالبية تجارب حركات التحرر الوطني والأحزاب التي تسلمت السلطة في الكثير من الدول العربية وتجارب الدول الشيوعية (السابقة).
ويخشى القول إن الطبقة السياسية السائدة (على اختلافها) غير مهتمة، إلى الدرجة المناسبة لما يحصل من تفارق بينها وبين مجتمعها بدليل ما يحصل اليوم. فها نحن أمام مشهدين، في المشهد الأول يأخذ الرئيس الفلسطيني أبو مازن القضية إلى الأمم المتحدة، وفي المشهد الثاني يدعو الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم لدعم هذه الخطوة، وفي كلا المشهدين يقف الفلسطينيون، في أغلبيتهم، حائرين في مصائرهم، فهم لم يناقشوا هذه الخطوة، ولا يعرفون ما الذي سيليها، أو ما هي تداعياتها عليهم، سواء نجحت أو أخفقت.
والاهم من كل ذلك أن شعور الفلسطينيين أن قياداتهم لاتستدعيهم ولا تلق بالا لهم إلا عندما تحتاجهم للتحرك في هذا الاتجاه أو ذاك، وكأنهم مجرد أشياء أو أرقام؛ هذا عدا عن أن ثمة أشياء كثيرة كان يجدر عملها قبل هذه الخطوة.
(كاتب فلسطيني مقيم في دمشق)
