إغفال واستكانة، وربما تهيب

single

حكاية الأسرى الفلسطينيين هي حكاية شعبهم الذي يفتدونه بحريتهم، هم الذين كانوا على استعداد ليفتدوه بحيواتهم. وتَعامُلُ إسرائيل مع أسرى الحرية هو الجانب الأكثر تجسيداً لتَعامُلِها مع أبناء شعبهم. في هذا التعامل تتجلّى الحقيقة التي خبرها الفلسطينيون جيلاً إثر جيل: إسرائيل الصهيونية لن تتورّع عن ارتكاب أي جريمة من أي نوع أو أي حجم لكي تحول بين شعب فلسطين وبين التمتع بحقَّه في الحرية وتقرير المصير.
رفض إسرائيل تمكين الأسرى الفلسطينيين من التمتع بالحقوق التي يتمتع بها الأسرى في أي حرب يُجسد هو الآخر رفضَها تمكين الشعب الفلسطيني من التمتع بالحقوق التي يتمتع بها أي شعب واقع تحت الاحتلال. بالنسبة لإسرائيل، هذه: لا وجود لشعب فلسطين، ولا وجود لأرض فلسطين، ولا وجود لاحتلال إسرائيلي لأرض هذا الشعب. واستطراداً لا وجود لأسرى. أما الألوف من الفلسطينيين الذين وقعوا في القبضة الإسرائيلية فيما هم يمارسون الكفاح ضد الاحتلال ولأنهم يمارسونه أو لأن إسرائيل تشتبه بأنهم يمارسونه، فهؤلاء، كلّهم، أطفالهم وشبانهم وشيبهم، الإناث منهم والذكور، ليسوا في نظر إسرائيل سوى مجرمين تجرأوا على تحدي السلطة الإسرائيلية التي تهيمن على شعبهم وأرضهم.
وربما كان حال هؤلاء سيصير أقلّ تعساً لو أن إسرائيل طبقت عليهم مناهج العدالة العادية، الاعتقال والتحقيق واستخلاص القرائن والإحالة إلى المحاكم المدنية، التي تطبقها على مقترفي الجرائم من مواطنيها اليهود. ولو اتُّبعت هذه المناهج لما أحيل الأسرى الفلسطينيون إلى المحاكم العسكرية دون قرائن سوى ما تنسبه إليهم تقارير مخبري الأمن الإسرائيلي، ولما صدرت الأحكام ضدهم من عسكريين تسميهم سلطات الاحتلال قضاةً وتنتقيهم من بين أكثر عسكرييها حقداً على بني فلسطين، وأقبحهم عنصرية، وتجيز لهم أن يَسوقوا إلى السجون كل فلسطيني تريد هي حبسه، بقرينة أو بدون قرينة. والأسوأ من هذا يتجسد في الاعتقال الإداري، هذا الذي لا يوجب على سلطات الاحتلال أن تُحيل الأسرى حتى إلى هذا النوع من القضاة، كما لا يوجب عليها أن تقدّم أي قرائن.
تحضر هذه الحقائق بكل أبعادها، ما ذُكر أعلاه من هذه الأبعاد وما لم يُذكر، فتحضر معها الحقائق المتصلة بالموقف الفلسطيني ذاته من الأسرى الفلسطينيين ذاتهم.
وأول ما يخطر في البال من هذه الحقائق أن ممثلي الشعب الفلسطيني، يستوى في هذا من كان منهم في قيادة م.ت.ف. ومن كان في قيادة السلطة أو قيادة أي فصيل، قد استكانوا على ما يبدو للأمر الواقع الذي حوّلت إسرائيل فيه صفة المكافحين من أجل الحرية إلى صفة المجرمين وواصلت التعامل معهم على هذا الأساس. ولو لم تستقر في النفوس هذه الاستكانة الناجمة من الإحساس بالعجز، فما معنى أن لا يُوجَّه المعَّرضون للاعتقال بحيث يرفضون التعامل مع أي جهاز إسرائيلي يرفض معاملتهم بما هم أسرى ولا يُقر لهم بحقوق الأسرى. وما معنى هذا التقاعس في تعبئة الجهات العربية والأجنبية كافة لدعم المطالبة بتطبيق بنود اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض الفلسطينية المحتلة، الاتفاقية التي تُوفر للأسرى وضعاً يتمتعون فيه بحقوق الأسرى.
لقد أهمل اتفاق أوسلو أموراً كثيرة كان من أخطرها إغفال وصف الأرض التي سيطرت إسرائيل عليها في العام 1967 بأنها أرض محتلة. وإغفال وصف المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بأنهم أسرى حرب. هذا الإغفال تجلّى خطره منذ البداية لغير المفتونين باتفاق أوسلو، ثم تجلى بعد ذلك حتى للمفتونين بهذا الاتفاق. وأغلب الظن أن الذين لم يفطنوا سابقاً لخطر هذا الإغفال كانوا في مقدسة الذين صمموا الإصرار على استصدار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي وَصَّف أرض 1967 بأنها أرض دولة فلسطين وأكد أنها أرض محتلة.
هذا القرار فتح آفاقاً لتدارك ما أُغفل سابقاً. ولا يوجد مبرر من أي نوع يُسوّغ الإحجام عن استثمار هذه الفرص، أو التردد في استثمارها. وأُولى الفرص المتاحة يُوفرها الانضمام إلى مؤسسات الأمم المتحدة، خصوصاً المحكمة الدولية لجرائم الحرب. ذلك أن الانضمام إلى هذه المؤسسات، خصوصاً الانضمام إلى هذه المحكمة، سيفتح الباب لطيّ ما أحدثه الإغفال والتقاعس، وسيُسقط ما تزعمه إسرائيل من أن أرض القطاع والضفة ليست أرضاً محتلة، وسيؤدي إلى إرغام دولة الاحتلال على الإذعان لما يوجبه القانون الدولي والاتفاقات الدولية على سلطات الاحتلال، أو سيُعرض إسرائيليين كثيرين لمواجهة التهم بارتكاب جرائم حرب.
معروف أن في الصف الفلسطيني مترددين يخشون التوجه إلى محكمة جرائم الحرب. للتردد سببان: واحد قبيح نابع من السياسة القبيحة التي تضع في الحسبان استرضاء الإدارات الأميركية أو في الأقل، عدم الإمعان في تحديها؛ وآخر قابل للنقاش. فبين المترددين من يخشون مقدرة إسرائيل وحماتها الكثيرين على تعريض الفلسطينيين أنفسهم لعقوبات المحكمة الدولية حين يقترفون ما قد تعاقبهم هذه المحكمة عليه. وهؤلاء يخشون ما يمكن أن تتعرض له قيادة السلطة الفلسطينية من حرج إذا طولبت بتسليم من تطلبهم المحكمة.
هذه الحجة وجيهة في واقع الأمر، لكن في الظاهر فقط. فهي تنطلق من افتراض استمرار فلسطينيين في اقتراف ما قد يُعدُّ جرائم حرب، ومن أن تسليم هؤلاء إلى العدالة الدولية سوف يحرج السلطة الفلسطينية. وهنا يبرز التساؤل المنطقي: لماذا ينبغي أن يَقترفُ فلسطينيون جرائم حرب، هم الذين تُوفر لهم القوانين الدولية حقوقاً في مقاومة الاحتلال تشمل المقاومة بأشكالها كلها، المسلحة وغير المسلحة؟ وإذا ارتكب أي فلسطيني جريمة حرب، فلماذا ينبغي أن تحسّ القيادة بأي حرج إذا توجب أن توافق على سحبه إلى المحكمة الدولية؟
أهي، مرة أخرى، الاستكانة إلى واقع خاطىء، أم هو، مرة أخرى، التذرع بحجّة لها شيء من الوجاهة لتسويغ الاستمرار في سياسة استرضاء الإدارة الأمريكية، أو سياسة التهيب من الإمعان في تحدّيها؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

الدم العربي والربيع العربي

featured

كيف بدأ ربيع مصر؟

featured

يا أهلاً بالمعارك..!

featured

نظام الرياض يواصل التآمر

featured

إضراب شعب أصيل<br>(ملاحظات عن استراتيجية متشرذمة)

featured

بداية الضربات.. الحليب

featured

الجبهة الشعبية، انقلاب أبيض

featured

عذرًا يا شعب اليمن