في 25 يناير قضيت يوما لا ينسي. انضممت إلى المتظاهرين في وسط القاهرة.. مئات الألوف من المصريين خرجوا في كل أنحاء مصر يطالبون بالحرية ويواجهون بشجاعة العنف الرهيب للبوليس.. النظام المصري لديه مليون ونصف مليون عسكري من الأمن المركزي ينفق عليهم من مال الشعب مليارات الجنيهات حتى يدربهم على وظيفة واحدة: قمع المصريين.. بالرغم من ذلك فقد وجدت نفسي وسط ألوف الشبان المصريين الذين قد يختلفون في أي شيء إلا في شجاعتهم المبهرة وتصميمهم على الهدف. هدفهم الوحيد تغيير النظام. معظمهم من الشبان الجامعيين الذين انسدت أمامهم أبواب المستقبل. عاجزون عن العمل وعن الزواج. يحركهم غضب جامح وإحساس عميق بالظلم.. سأظل دائما مبهورا بهؤلاء الثائرين. كل ما قالوه ينم عن وعي سياسي حاد ورغبة مستميتة في الحرية.. طلبوا مني أن ألقي كلمة. تحدثت من قبل على الملأ آلاف المرات لكن هذه المرة كانت مختلفة: أن أتكلم أمام ثلاثين ألف متظاهر لا يريدون أن يسمعوا أي نوع من الحلول الوسط.. يقاطعونني بهتاف يتردد كالهدير:
"يسقط حسني مبارك".. "الشعب يريد إسقاط النظام".. قلت لهم إنني فخور بما أنجزوه وأن عصر القمع في مصر قد انتهي على أيديهم. قلت لهم حتى لو ضربونا أو اعتقلونا فقد أثبتنا لهم أننا لا نخاف وأننا أقوي منهم. لديهم أقوي وسائل القمع في العالم أما نحن فلدينا ما هو أقوي: شجاعتنا وإيماننا بالحرية.. قاطعوني في هتاف موحد "البقية تأتي..".
كان معي صديق صحفي إسباني عاش سنوات في أوروبا الشرقية وعاصر حركات التحرر فيها.. قال لي ونحن وسط المظاهرة: "من تجربتي. عندما ينزل الناس إلى الشارع بهذه الأعداد وبهذا التصميم.. يصبح تغيير النظام مسألة وقت".
.. لماذا انتفض المصريون بهذه القوة غير المسبوقة..؟
الإجابة تكمن في طبيعة النظام المصري. قد يحرم النظام الاستبدادي الشعب من حريته وبالمقابل يوفر له حياة مريحة.. وقد يفشل النظام الديمقراطي في القضاء على الفقر وبالمقابل يتمتع الشعب بالحرية والكرامة. أما النظام المصري فقد حرم المصريين من كل شيء: ضروريات الحياة والحرية والكرامة جميعا.. لم يكن مئات الألوف من المتظاهرين إلا مندوبين عن ملايين المصريين المهدرة حقوقهم.
حكي لي متظاهر شاب أنه إزاء القمع البوليسي الشديد اضطر إلى اللجوء إلى أحد الأبنية ثم اختار شقة كيفما اتفق ودق الجرس. كانت الساعة الرابعة صباحا، فتح له رجل جاوز الستين وعلى وجهه علامات الفزع. طلب المتظاهر من العجوز إخفاءه لأن البوليس يريد اعتقاله. استوثق العجوز من بطاقته الشخصية ثم أدخله إلى بيته ولأن زوجته متوفاة فقد أيقظ واحدة من بناته الثلاث لتصنع طعاما للشاب المطارد، أكلا معا وشربا الشاي وتحدثا كأنهما صديقان قديمان. عندما طلع الصبح وزال الخطر ارتدي العجوز ثيابه ونزل مع الشاب إلى الشارع وأوقف له تاكسيا وعرض عليه مالا لكن الشاب رفض وشكره. عندئذ احتضنه العجوز وقال:
ـ أنا الذي أشكرك لأنك تدافع عني وعن بناتي وعن المصريين جميعا.
هكذا بدأ ربيع مصر.
(روائي مصري بارز)
