عاش الرفيق زكي شيوعيًّا ومات شيوعيًّا كما أراد وأحبّ، ولشدّة إخلاصه لمبادئه الشيوعيّة وتقديسه لثوابت الحزب، كنت أعتقد أنّ الرفيق زكي خرج من بطن أمّه شيوعيًّا أيضًا، ويلوّح بالعلم الأحمر.
بعد الانهيار السوفييتيّ الكبير أطاح اليأس بكثير من الرفاق، ولكنّ الرفيق زكي ظلّ كبيرا وظلّ يحلم بأنّ هذا الراحل سوف يعود وعمّا قريب، كنت أمازحه وأداقره عندما كان كثيرًا ما يقول ويردّد: "أريد أن أموت وأنا شيوعيّ"، فأقول له: "أسرع ومت فالشيوعيّة تنتهي بشكل سريع، وكلمة تأبينك جاهزة"، فينهرني ويلعنني وأمضي ضاحكًا.
لو كان لجريدة "الاتّحاد" جلدتان كالكتاب لاستطعنا القول أنّ الرفيق زكي: كان يقرأها من الجلدة للجلدة، فكانت الجريدة مدرسته ومعلّمه اليوميّ وسلاحه الحادّ والساطع في وجه الرجعيّة والظلاميّة والقومجيّة والكذب.
كان الرفيق زكي زكيّ النفس نظيف النيّة وسليم الطويّة، وكان صادقَا، معطاءً، متفانيًا وفريدًا من نوعه ونوعيّته في النشاط الميدانيّ، وعندما كان يقعده المرض أو يتوعّك كنّا نتشاور ونتّفق على ألّا ندعو الرفيق زكي لهذا النشاط في توزيع منشور أو تلك المشاركة في وقفة احتجاجيّة وغير ذلك، وكنّا نتّفق على ضرورة التكتّم كي لا يعرف الرفيق زكي، "والعلقة" الكبرى عندما كان يعرف، فينهال علينا باللوم والتقريع، لا أذكر أنّ الرفيق زكي تخلّف عن نشاط حزبيّ أو جبهويّ، لا محليًّا ولا منطقيًّا ولا قطريًّا، فقد كان صدقه الوطنيّ وإخلاصه الأمميّ دافعه ومحفّزه لهذا النشاط والمثابرة، وبخاصّة أمام سياسات حكومة الحرب والدمار والتنكّر للحقوق الوطنيّة، وكذلك أمام القوى الرجعيّة المتمثّلة بالأنظمة العربيّة المهترئة والظلاميّة الإخوانيّة والوهابيّة، والشعارات القومجيّة الجوفاء، ولذلك كان كثيرًا ما يردّد: " اليقظة يا رفاق"، فقد آمن الرفيق زكي حتّى النخاع بالأخوّة العربيّة اليهوديّة وبانتصار البروليتاريا وبأخوّة الشعوب وبالاشتراكيّة ودولة العمّال والفلّاحين.
له أصدقاء كأيّ إنسان في كابول، وله خصوم، له من يوافقه الموقف والرأي وله من يعارضه، ولكنّي لا أعرف في كابول رجلًا أجمع الكابوليّون على احترامه كالرفيق زكي، وذلك فقط لصموده المبدئيّ على مواقفه منذ نعومة أظفاره وحتّى مواراة جسده الطاهر في تراب الوطن الطاهر.
كنت أظلّ إلى جانبه في المظاهرات، وبخاصّة في الفترة الأخيرة من عمره، عندما شاركنا في تل أبيب بخمس مظاهرات ضدّ الحرب الهمجيّة على لبنان، كنت أسير إلى جانبه وأقول له ممازحًا ومداقرًا: "لماذا لا تهتف يا رفيق زكي بالشعارات الصحيحة"، فيقول لي: "وما هي هذه الشعارات"، فأقول: "خيبر خيبر يا يهود جيش محمّد سيعود"، ولم يكن يكره أكثر من هذا الشعار ومن قائليه، فكان يشتمني ويلعنني ويصرخ: "أغرب عن وجهي"، وأمضي سعيدًا بإثارته وإغضابه بحسن نيّة.
ونهفة أخرى، قبل الاحتفال بزواج ابني مؤنس بثلاثة أيّام جاء الرفيق زكي وفي ساعات ما قبل الظهر، إلى البيت ومدّ يده إلى جيبه وأخرج ظرف النقوط ومدّه إليّ مصافحًا ومهنئًا، "طيّب ليش يا أخي عنّا عشاء وفطور فلماذا الآن، فقال: "بدي أسدّك وأقوم بالواجب"، "طيب ليش هلقد بكّير" فقال ضاحكًا: "لأنّ الله بنحطّش بالظهر ويمكن يوخذني".
لم أعد أجد من أمازحه وأداقره في فرع كابول، ولذلك يشكّل لي الرفيق زكي بكلّ ما في الاختصار من اختصار "فُقْدَة"، لا تعوّض. رحمك الله أيّها الرفيق الزكي والنبيل.
