برنامج التطهير العرقي لم يرفع من جدول الأعمال

single

من أجل مقاطعة منتوجات المستوطنات

 

 

رد بنيامين نتنياهو على قرار الدولة الفلسطينية يفصح عن رغبة جامحة في الاستحواذ على كامل الضفة واقتلاع العرب من ديارهم ؛ وبذا فالرد يتطلب الرد اللائق. حين طلع جورج بوش الابن يرفض قرار الشعب الفلسطيني اختيار ياسر عرفات رئيسا له، واعتبره مشكلة وليس حلا، لأنه رفض التفريط بالحقوق الفلسطينية.. وحين أقر أرئيل شارون من طرف واحد ترتيباته في غزة، فقد أكد الحليفان الاستراتيجيان، بموقفيهما، رفض الشعب الفلسطيني شريكا في الوطن الفلسطيني. وهذا ما تكشفت عنه لاحقا مواقف حكومة نتنياهو والإدارة الأميركية طوال عقد من الزمن. لم يظهر حكام إسرائيل بادرة تدل على احترام الوجود الفلسطيني، ولا راعوا حرمة الدم الفلسطيني.
يحدث هذا، بينما الرواية الصهيونية فقدت كل مشروعية ولا تسند تخيلاتها سوى القوة المتغطرسة، والقيادة الصهيونية أنهكت الجميع بحروب متصلة الحلقات. ويستحيل أن يتحقق استقرار في المنطقة أو تقدم طالما تستقر الصهيونية في إسرائيل.
خلص رالف شوينمان من جامعة بيركلي بحقّ إلى الجزم بأن"الشعب الفلسطيني المعذب انتزعت منه الأرض ويضمر الصهاينة له مصير الإزاحة ليس من وطنه وحسب، بل ومن التاريخ كذلك". رصد مؤلف كتاب "التاريخ المخفي للصهيونية" في مقابلة صحفية "طبيعة الدولة الصهيونية التي هي من حيث الجوهر امتداد للامبريالية الأميركية... أنهكت الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي بالحروب المتواصلة، الأمر الذي يفتح حيزا لحركة مناهضة للصهيونية من اجل دولة غير صهيونية. حرب متواصلة واحتلال متواصل وإخضاع متواصل".
حقا، فكل ما أسفرت عنه المفاوضات الماراثونية طوال عشرين عاما هو صيغة جديدة من الأبرتهايد مع طرق التفافية وجدران فصل عنصري ونهب أراضِ وتدمير عقارات ومزارع وتوسيع مستوطنات وتطهير عرقي بمدينة القدس وما بين 500 و600 نقطة تفتيش ومواصلة حصار غزة. ومن ثم جاء قرار قيام الدولة الفلسطينية المنقوصة، والمعوّل عليه قطع الطريق على جرافة التطهير العرقي اختزالا مشوها لقرار التقسيم الذي منح الشعب الفلسطيني دولته بجانب دولة إسرائيل.
القرار الجديد، طبقا لتقييم موضوعي ورد على لسان خليل جهشان، المحاضر في الدراسات الدولية بجامعة أميركية، أنه "هيأ للفلسطينيون القدرة على المشاركة وتقديم مختلف القرارات والانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية لكي يلاحقوا جرائم قادة إسرائيل". القرار يخلو من الإشارة إلى المستوطنات والجدار العنصري والسجناء واللاجئين؛ كما خلا من طلب تراجع إسرائيل عن إجراءات الضم والتهويد وكل ما اعتبرته الجمعية العمومية انتهاكا للقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة. ولذا فالقرار يستدعي إجراءات على الأرض الفلسطينية وعقد تحالفات تمنح مزيدا من القوة للقرار الفلسطيني والموقف الفلسطيني.

 

 

*مخاطر فاعلية القرار*

 

المخاطر التي تهدد فاعلية القرار لا تنحصر في ردود نتنياهو؛ إذ يواكبها حركة التفاف ترمي لتطويق القرار وإجهاضه ينظمها معسكر اليمين في أميركا وإسرائيل الممعن في عدوانيته. وهو يستمد الجسارة للإمعان في الكيد من صمت السياسات العربية، مجتمعة في جامعتها أو منفردة، ومن تمسكها بلهفة بصداقة المسؤولين الأميركيين، متغافلة عما تبذله السياسات الأميركية تجاه المنطقة، وهي تمعن في تحيزها المشين لباطل الاحتلال والاستيطان. فالجمهوريون يعدون تعديلا في الكونغرس يقترح خفض كل الدعم الأميركي للأمم المتحدة مقابل التصويت بتغيير وضع الفلسطينيين فيها. وتعديل آخر يحظى بدعم نواب من الحزبين يقضي بقطع المساعدات الأميركية عن الفلسطينيين إذا انخرطوا في أي عمل أمام المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب إغلاق بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن إذا لم ينخرط الفلسطينيون في "مفاوضات ذات معنى"، مع تعمد الإبهام لدى التلويح بالتهديدات.
ومن جانب آخر تتوارد تعليقات " خبراء" تعبر عن رغبات وأمنيات بأن "التصويت لن يغير شيئاً على الأرض" أو أن "السلام لن يتحقق إلا عبر المفاوضات". وتتكرر التحذيرات للفلسطينيين كي لا يتخذوا "خطوات أحادية"، ولا يكلفوا أنفسهم تنوير العالم كيف ستثمر مفاوضات أجدبت طوال عقدين، ولماذا لا يحذرون إسرائيل من "عواقب خطواتها الأحادية". وأخطر من ذلك كيدًا المطالبة بيهودية دولة إسرائيل، واعتبار ذلك متضمنا في قرار التقسيم. وهذا تزييف.
أما الخطورة الأعظم فتكمن في تغيرات ديموغرافية أدخلتها على مناطق الدولة وتشكل عشرة بالمائة من مساحة فلسطين التاريخية، مشاريع الاستيطان الذي التهم حتى الآن ثمانية بالمائة من مساحة فلسطين التاريخية. فالتغيرات عميقة "يصعب مراجعتها تجعل من شبه المستحيل تجسيد الدولة على الواقع المتعين بالضفة"، حسب التقديرات العلمية لأكاديميين من إسرائيل، البروفيسور نيف غوردون رئيس كرسي العلوم السياسية بجامعة بن غوريون في النقب، وينون كوهين من القدس أستاذ الدراسات اليهودية قسم الاجتماع ومحاضر بجامعة كولومبيا بنيويورك. فلا بد من عتلة تزحزح قلاع الاستيطان بالضفة.

 


*هوس التحدي لدى نتنياهو*

 


طبقا لإحصاءات موثوقة توفرت للأكاديميين بلغت نسبة اليهود المتطرفين (الأرثوذكس) 30% من سكان المستوطنات، وكانوا يشكلون 5% لدى إنشاء السلطة الفلسطينية، وسوف يشكلون نسبة 38 % عام 2020. فقد نجحت حكومات إسرائيل في إغراء أعداد ضخمة من هذه الطائفة المتعصبة التي تضفي القداسة على تصرفات الاستيطان وممارساته العنصرية انطلاقا من تعاليم توراتية للانتقال إلى مستوطنات داخل الضفة. وحسب إحصاءات حصل عليها الأكاديميان يتكاثر اليهود في إسرائيل بنسبة 1,5% كل عام، ويتكاثر الفلسطينيون بالضفة بنسبة 2,2%، بينما التكاثر الطبيعي للمستوطنين بالضفة يرتفع إلى نسبة 3,6% ولليهود الأرثوذكس بنسبة 6%. إحصائية أخرى تفيد أن عدد مواليد المستوطنات بلغ 2600 مولود عام 1991 وانتقل إليها ذلك العام تسعة آلاف ؛ وفي عام 2011 انتقل إليها 3600 وبلغ عدد المواليد 10800، وفيما يتعلق بنسب الولادات للمرأة الواحدة فإنها بين اليهود في إسرائيل 3%، وبين الفلسطينيين بالضفة 3,1%، وللمستوطنين 5,1%، واليهود الأرثوذكس 6,5% داخل إسرائيل، و 7,7 % في المستوطنات.
مشكلة ديمغرافية تفرض نفسها على مقاربة مشكلة الاستيطان، ولا تواجه بالشكاوى والقرارات. إنها تقتضي الحرص والمثابرة على أن تتجسد مقاومة النزعة العدوانية التوسعية إجراءات عملية تراكم تغيرات مادية ملموسة على أرض الوطن، اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ـ تعليمية؛ وإلا فإن العاقبة هي اقتلاع السلطة واقتلاع شعبها من الوطن. فلدى قيادة إسرائيل المنتظرة، كما تنبئ المؤشرات الانتخابية، توجهات فاشية صارخة وتصميم غير مسبوق على المزيد من التوسع الاستيطاني لا تأبه للعزلة الدولية. إذ تبرز الصهيونية رؤية تحصن بها رعاياها، تزعم أن كل شعب موبوء بفيروس اللاسامية، واليهود موضع حقد الجميع لأنهم الأرقى.
بلغ هوس التحدي لدى نتنياهو، إعلانه، علاوة على خطة لبناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية على أراضي الدولة الفلسطينية، خطته للاستيطان في أرض شرقي القدس أُطلِق عليها الاسم E1، من شانها أن تقطع شمالي الضفة عن جنوبها وتحكم الحصار حول القدس، لتكسر حلقة وصل ضيقة تبقي على ترابط الأراضي الفلسطينية. المنطقة مساحتها 4,6 ميلا مربعا أو 12 كيلو مترا مربعا، لكنها حساسة للغاية وفق اعتبارات الجغرافيا، بحكم موقعها، حيث تخترق كإسفين أراضي مغتصبة من القدس الشرقية، تحاذي الخاصرة الضيقة لمدينة القدس وتمتد حتى تلاصق مستوطنة معاليه أدوميم، فتقطع بذلك الطريق الواصل بين رام الله في الشمال وبيت لحم والخليل في الجنوب. كما أنها تفصل جناحي القدس الشرقية، المدينة التي ينوي الفلسطينيون جعلها عاصمة لدولتهم، وتقطع الطريق الواصل بين الجيبين اللذين تتناثر عليهما التجمعات السكنية الفلسطينية المحاط كل منها بمستوطنات يهودية.
وأخطر التوجهات الصهيونية لدى نتنياهو مطلب الاعترف بيهودية الدولة. بموجب قرار تقسيم فلسطين يشكل العرب 47 بالمائة من سكان دولة اليهود، بينما يشكل اليهود اقل من واحد بالمائة من سكان دولة فلسطين. وطبقا للمفهوم الدولي فإن "دولة اليهود" لا تميز ضد غير اليهود ؛ كما أن تعريف دولة يهودية ودولة عربية يحظر التطهير العرقي، ويجرم تجريد المواطن من ملكيته، عقارات كانت أم منقولة. وهذا ما تغاضت عنه المنظمة الدولية وممثلوها في فلسطين إثر حرب 1948ـ 49. نتنياهو يصر على طمس جريمة التطهير العرقي ونزع العقارات العربية من ملكية أصحابها. يريد تمرير جريمة التطهير العرقي في فلسطين، والتي لا تسقط بالتقادم، وكذلك مصادرة أراضي الفلسطينيين داخل إسرائيل، والمناقضة لقرار التقسيم وللقانون الدولي الإنساني. وبدون مراجعة تلك الإجراءات العنصرية ينطوي مطلب دولة اليهود على مواصلة التطهير العرقي.

 

 

*النضال الفلسطيني مقترن بمناهضة الامبريالية *

 


إن قرار الدولة الفلسطينية المنقوصة قد يكون "متأخرا جدا"، وفق استنتاج الأكاديميين الإسرائيليين. في ضوء الإحصائيات يتساءل نيف غوردون، مؤلف كتاب عن الاحتلال الإسرائيلي، ما نوع الدولة التي ستقام بالضفة.
حركة تحرر الشعب الفلسطيني ولدت أثناء نهوض الحركة الثورية العالمية، وبفضل الأخيرة حقق الشعب الفلسطيني بعض المكاسب. وفي مرحلة هجوم كواسر الرأسمالية الاحتكارية على حركات التحرر في العالم ابتليت حركة التحرر الفلسطينية بعزلة خانقة، نظرا لإحاطتها بأنظمة تنكرت حتى لشعوبها وارتبطت بعلاقة تبعية للامبريالية. فمصير النضال الفلسطيني مقترن عضويا بحركة مناهضة الهيمنة الامبريالية في المنطقة وعلى صعيد العالم.
الأكاديمي الأميركي صاحب كتاب "التاريخ المخفي للصهيونية" يرى الدولة الإسرائيلية جهازًا مصمما خصيصا للقيام بعبء قوات صدامية داخل المنطقة. وفي إطار دورها المسند لها فإن بنية القوة في الدولة صورة مطابقة لطبيعة رأسمالية الاحتكارات في مرحلة التفسخ. إنها تركيز للقوة الهائلة بأيدي أوليغارشية ضيقة، مرتبطة لحد كبير بتحصيل المكاسب من الإنتاج الحربي. والأهم من ذلك كله أن الشريحة صاحبة الامتياز تتقلص باضطراد إلى حفنة ضئيلة، تتصرف بأسلوب الإجرام المنظم (غانغسترز)، طبقة مجرمة تستغل بقية الشعب. وبطبيعة الحال تنطوي بنية إسرائيل على دولة مستوطنين كولونيالية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

يسري فودة في كتابه "طريق الأذى": القاعدة "حمامة سلام" مقارنة بداعش

featured

"خذوا المناصب والكراسي، واتركوا لي الوطن"

featured

ولهذا نحن هنا اليوم

featured

وأعطي نصف عمري ...

featured

محاولات لإشعال الحدود السورية !

featured

لتحرير العراق فعلا

featured

الإنتاج الرأسمالي ينتج أيضًا بؤس العامل

featured

المقاطعة قلة مسؤولية وخدمة لليمين