يزداد التركيز هذه الأيام على الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق. نقول "العسكري" تحديدًا لأن الحضور السياسي والاقتصادي لن يتراجع، بل الأرجح على العكس.
وعلاوة على ذلك، فإنه لن يكون انسحابًا عسكريًا تامًا فعلا. فقد أعلنت واشنطن رسميًا عن ابقاء 50 ألف جندي، في 94 قاعدة عسكرية هناك. وهي تبرر ذلك بضرورة "الاستشارة والتدريب ومساعدة عناصر الأمن العراقية" على حد قول نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن. كذلك، وفقًا لتصريحات قائد القوات الأمريكية في العراق فإن قواته ستقوم بـ "عمليات قتالية" عند الحاجة. ومن نافلة القول إن مفهوم "الحاجة" غير واضح بل إنه مطاطيّ يُفرض وفقًا لمصالح واشنطن.
لا يأتي خفض القوات الأمريكية صدفة. فقد نجحت المقاومة العراقية، عديدة التنظيمات، بإرهاق المحتلّ بعد أن دمّر ونهب وقتل وتمادى في جرائم الحرب ضد العراق شعبًا وبلدًا. لكن نهاية هذه التجربة المريرة لا تزال بعيدة. فقد تم تمزيق هذا البلد، وما يخطط له الآن هو صياغته سياسيًا واقتصاديًا بما يخدم الامبريالية بقيادة واشنطن.
إن الهدف الأكبر يجب أن يظلّ انسحابًا أمريكيًا تامًا من منطقتنا، وليس بالمفهوم العسكري فقط. بل نقصد كسر الهيمنة الأمريكية بجميع تجلياتها. لأن من شأن هذا حماية خيرات الشعوب التي تُنهب ليل نهار. وكذلك، إزالة جدران الحصون التي تحمي أنظمة الدكتاتوريات التي تعمل فيما يناقض مصالح الشعوب، كي تستعيد هذه الأخيرة عافيتها وتبني مستقبل أجيالها بكرامة وحقوق وسيادة حقيقية.
يجب عدم ابتلاع حديث الخداع الأمريكي وكأنّ احتلال العراق بات من ورائنا. فقد اختلفت الوسيلة لكن الاحتلال لا زال جاثمًا، مما يقتضي مواصلة مقاومته حتى دحره كليًا.
