"الضفة تبدأ بالحراك"
من المشوق أن نتابع، في نظرة من إسرائيل، النقاش الجماهيري الجاري في الولايات المتحدة في الاشهر الأخيرة حول آثار الحرب العالمية التي يخوضها الأميركيون ضد الإرهاب الاسلامي. فأميركا تتصدى الان، بتأخير ما، للمسائل التي طرحت قبل بضع سنوات من ذلك حول الصراع الإسرائيلي طويل الأمد ضد "الارهاب" في "المناطق" وفي لبنان. وبايجاز، فإن هذه المسألة تقيس كم بعيداً يمكن للديمقراطية المدافعة عن نفسها أن تسير في الوسائل التي تستخدمها ضد "الإرهابيين" الذين يشخصون نقاط ضعف المجتمع الغربي. بقدر ما فان النقاش الجماهيري في الولايات المتحدة أعمق بكثير منه في اسرائيل.
يمكن أن نحدد هذا الصراع زمنيا بين الهجوم الارهابي في 11 ايلول 2011 وتصفية اسامة بن لادن او السنوات الثماني وولايتي الرئيس جورج بوش. ولكن هذا لن يكون تشخيصا دقيقا: فالأميركيون يواصلون اتخاذ خطوات بعيدة الاثر في الصراع حتى في ولاية الرئيس الحالي باراك اوباما. فادارة اوباما هي التي بلورت فتوى تسمح للرئيس باقرار تصفيات خارج البلاد دون محاكمة لمواطنين أميركيين مشتبهين بالارهاب، وكان الرئيس نفسه هو الذي خرق وعدا انتخابيا له باغلاق المعتقل موضع الخلاف في غوانتانامو.
في الولايات المتحدة يترددون في هذه المسائل بسبب تطورات جديدة، ولكن ايضا في أعقاب الانشغال بها في الثقافة الشعبية. فالاستماع لرئيس الـ "سي.اي.ايه" المرشح، جون بيرنان، رفع الى النقاش سياسة تصفية نشطاء الارهاب ولا سيما استخدام الطائرات بدون طيار لهذا الغرض.
فيلم سينمائي مرشح للاوسكار "تأهب مع الفجر" عن تصفية بن لادن، بعث الحياة مجدداً في الخلاف حول استخدام التعذيب عند التحقيق مع الارهابيين في ظروف تفترض ذلك برأي الاستخبارات الأميركية. اما التقارير في الصحف البريطانية والأميركية عن اساليب جديدة طورتها الصناعة الامنية الأميركية لتحليل نشاطات الاحتجاج من خلال متابعة الشبكات الاجتماعية فتثير نقاشا عن حدود تدخل الادارة والخطر على حريات المواطن في العصر الرقمي.
ولا تتبلور الحروب في افغانستان وفي العراق والصراع الداخلي ضد الارهاب معا الى صدمة أميركية بقوة صدمة حرب فيتنام. فعدد الخسائر فيها اقل بلا قياس، واحساس الفشل هو الاخر اقل، فما بالك انه يغيب هنا التجنيد الالزامي في الصيغة التي كانت متبعة في عهد فيتنام، ثمن الحروب الاخيرة بعيد عن ان يكون ملموسا في كل بيت أميركي. ولا يزال يجري هناك نقاش يقظ، بل يثير الحسد بقدر ما.
كل المسائل التي ينشغل فيها الأميركون تلامس المسائل التي تتصدى لها اسرائيل. فقد جرى تطوير سياسة الاغتيالات، وتوسعت من قبل الجيش والمخابرات الاسرائيلية منذ بداية العقد الماضي (النموذج الذي أثر غير قليل على الاستراتيجية الأميركية ايضا). فعلى مدى السنين قتلت اسرائيل عشرات "المخربين" بلا محاكمة. ولا تعقب إسرائيل على ذلك رسميا، ولكن الصحافة الدولية تمتلئ منذ سنين بالتقارير عن استخدام اسرائيلي للطائرات بلا طيار التي تهاجم لغرض التصفيات في "المناطق" وفي دول بعيدة. ومع أن التعذيب محظور بأمر من المحكمة العليا في 1999، الا انه لا يزال هناك مجال لا بأس به لاستخدام ما يسمى "وسائل شاذة" في تحقيقات المخابرات، مورست غير مرة في عهد الانتفاضة الثانية في محاولة لتصفية "القنابل المتكتكة".
وكانت الاستخبارات الاسرائيلية بدأت تركز جهودا كبيرة في متابعة الشبكات الاجتماعية للمنظمات الاسلامية ونشطاء اليسار الاجانب، بعد المفاجأة التي تكبدتها من منظمي الاسطول التركي في 2010 (قضية مرمرة). وفي هذا الاسبوع فقط طرحت ادعاءات ضد الشرطة لانها استخدمت وسائل مشابهة جدا لملاحقة نشطاء الاحتجاج الاجتماعي في اسرائيل.
*الخطر العميق في القبو*
ولكن في كل ما يتعلق بالنقاش الجماهيري للوجه الاكثر تعقيدا للصراع ضد "الارهاب"، يبدو أن اسرائيل لا تزال بعيدة مسافة طويلة عن الولايات المتحدة. مسائل مثل شرعية سياسة التصفيات وان كانت رفعت الى المحكمة العليا في العقد الماضي، الا انها شطبت عن جدول الاعمال الجماهيري بسرعة شديدة. فالامتناع عن هذا الانشغال لا ينبع فقط من الاثار الاخلاقية بعيدة المدى لقسم من الوسائل التي اتخذتها اسرائيل في الصراع العدواني الذي ادارته ضد "الارهاب"، بل يخيل لدى معظم الاسرائيليين ان السنوات الخمس أو الست الاولى من العقد الماضي، سنوات الانتفاضة الثانية، لا تزال بمثابة كابوس يفضل كبته في الزوايا الاكثر خفية من الذاكرة. هذه الحرب وان لم تنته بحسم قاطع، فمن المشكوك فيه ان يكون الامر ممكنا في الصراع ضد "الارهاب" وحرب العصابات، ولكن من الواضح أن الجيش والمخابرات الاسرائيلية نجحا في قمع "الارهاب" الفلسطيني المنطلق من الضفة الغربية. اكثر راحة نسيان التفاصيل، حين يبدو أن النجاح النسبي دفن الخطر العميق في القبو.
من المفهوم أيضا ان تواصل الاحداث التي تعتمل منذئذ – وفاة ياسر عرفات، فك الارتباط عن قطاع غزة، مرض ارئيل شارون، حرب لبنان الثانية - ساعد على كبت التجارب القاسية للانتفاضة. ثمة شيء ما غريب في أن "الهجوم الاجرامي" للانتفاضة الثانية، والتي جبت حياة اكثر من 1100 اسرائيلي، معظمهم مدنيون، تبحث هنا في السنوات الاخيرة أقل مما تبحث حرب لبنان الثانية، التي اجمالي خسائرها في الطرف الاسرائيلي لا يصل حتى الى سدس هذا الرقم.
لقد ابعدنا الانتفاضة الثانية وكبتناها، ولكن لا يجب الاستخفاف بتأثيرها. يخيل أن هذه الفترة تصمم حتى هذا اليوم بقدر كبير الوعي السياسي للإسرائيليين. فهي التي تقدم مفعولا للاشتباه الكبير الذي يكنه معظم الجمهور في البلاد تجاه نوايا الفلسطينيين، وهو الذي رسخ الدعم الواسع نسبيا لبنيامين نتنياهو كسياسي حذر لا يسارع الى مخاطر غير مدروسة في مفاوضات السلام. ومن الجهة الاخرى لجدار الفصل، لا ريب أن المعاناة الفلسطينية في سنوات الانتفاضة رفعت مستوى الغضب والكراهية تجاه اسرائيل، في الوقت ذاته الذي خلقت فيه ما وصفه موشيه بوغي يعلون بانه "كي الوعي" – ذاك الوعي الملموس جدا لثمن الخسارة الذي تنطوي عليه المواجهة، والذي يعمل اليوم ايضا في "المناطق" كوسيلة تكبح الجماح وتمنع حاليا التدهور الى حرب اخرى يقودها "الإرهاب".
ومع ذلك، فان الشهرين الاخيرين يوفران لاول مرة بوادر نقاش متجدد في فترة الصدمة ذاتها. المحفز الاول لذلك هو فيلم درور موريه "حماة الحمى"، الذي هو ايضا مرشح للاوسكار، والذي يصدم ستة من رؤساء المخابرات السابقين مع نتائج 45 سنة من الاحتلال في "المناطق". يخيل أن تأثير الفيلم يتجاوز الدوائر العادية لمشاهدي السينماتيك، والانشغال به ينتقل جدا الى ما وراء صفحات المقالات في "هآرتس".
الجانب المشوق هنا، فضلا عن الندم المتأخر على الخطيئة، هو في زاوية النظر الأوسع التي يتبناها قادة جهاز المخابرات بعد اعتزالهم. ففي ذروة الانتفاضة اتهم رئيس الاركان في حينه، يعلون، رئيس المخابرات، آفي ديختر، أنه ينظر الى ما يجري في "المناطق" من خلال زاوية الإحباط الضيقة. دور المخابرات في "المناطق" مميز وحصري – احباط "الارهاب". اما المسيرة السياسية فلا تعنيها حقا. وعندما يغادر رؤساء الجهاز مناصبهم فان الصورة تبدو فجأة اكثر تعقيدا.
*مؤشرات الاشتعال*
في هذا الأسبوع انضمت ايضا القناة 10 الى النبش التاريخي، عندما بثت تحقيقاً لأمنون ليفي عن ملابسات وفاة عرفات– القسم الاول من بين قسمي فيلم رفيف دروكر عن ارئيل شارون والانتفاضة الثانية. هنا أيضا، وهو بمثابة الصدى لفيلم"حماة الحمى"، يظهر ديختر وخليفته، يوفال ديسكن. التسجيلات التي ادرجها دروكر من البرنامج الصباحي في اذاعة الجيش من عهد الانتفاضة، ولا سيما صور هياكل الباصات المفحمة واصوات الصافرات، تبدو وتسمع كاصداء بعيدة عن تلك الفترة الكابوس. دروكر والنائب حديث العهد، عوفر شيلح، آفي يسسخروف وأنا – كلنا انشغلنا في هذه الفترة بتوسع بالكتب التي نشرناها قبل بضع سنوات. ولا تزال توجد قيمة خاصة للظهور امام كاميرات من قبل رافض المقابلات القديم مثل أوري شني، رجل سر شارون، او الاقوال الصريحة التي يقولها الان ديسكن للاقتباس والنقل. يمكن الافتراض بانه في القسم الثاني من الفيلم (الذي سيبث اليوم) سيلمس دروكر الشكل الذي صممت فيه قرارات شارون، اكثر من أي شخص آخر، وجه المعركة ذاتها: حملة "السور الواقي"، التي أحدثت الانعطافة الجذرية في الوضع، إقامة جدار الفصل، وبعدهما فك الارتباط عن قطاع غزة.
الجدار، الذي أقامه شارون رغم أنفه، لا يزال يصمم وعينا بالنسبة لـ "المناطق" ويسمح لمعظم الاسرائيليين بادارة حياتهم وكأن نابلس وبلاطة توجدان خلف جبال الظلام وليس على مسافة نصف ساعة سفر. ولكن القصة الفلسطينية، مثلما سبق أن كتب هنا غير مرة، بعيدة عن الانتهاء. فالصدام الجذري مع الفلسطينيين، سواء دار في قنوات الدبلوماسية والقانونية في الامم المتحدة والمحكمة الدولية، في المظاهرات الشعبية الواسعة أو في استئناف "الارهاب"، سيعود أخيرا الى مركز الساحة رغم التركيز الحالي على آلام الطبقة الوسطى. ثمة لهذا بصراحة مؤشرات أولية على الارض: الارض في الضفة لا تشتعل بعد، ولكنها بالتأكيد تبدأ بالحراك.
كتب اللواء احتياط، غيورا ايلند، هذا الاسبوع، مقالا واعيا في "يديعوت احرونوت" شرح فيه لماذا هي طفيفة احتمالات الوصول الى تسوية دائمة مع الفلسطينيين في السنوات القريبة القادمة. ويلاحظ ايلند، حقا، انه حتى اليوم لم يتحقق حل دائم، رغم توقعات الادارات المتعاقبة في واشنطن، لان الاسرائيليين والفلسطينيين غير معنيين بذلك بما فيه الكفاية – الثمن الذي ينطوي عليه الوصول الى حل، من ناحية الطرفين، أعلى من المنفعة التي سيستمدونها منها برأيهم. ومع ذلك، في المحادثات مع ضباط الجيش الذين يخدمون في "المناطق" من الصعب عدم ملاحظة التوقع شبه اليائس من ان القيادة السياسية في اسرائيل ستستأنف النشاط في القناة السياسية بهدم توجيه الطاقة الكامنة هناك باتجاه يمنع الانفجار.
الانباء من الميدان تأتي حاليا بالتنقيط، ولكنها غير مشجعة. في هذا الاسبوع تعززت الحواجز في مداخل القدس بسبب انذار عن تسلل "مخرب"، الظاهرة التي لم ترَ في العاصمة منذ قرابة سنتين. العديد من المستوطنون يعودون لتحصين سياراتهم ضد رشق الحجارة بعد سنوات لم تكن فيها حاجة لذلك. وفي السلطة الفلسطينية يخشون من أن تقوم "حماس" باشعال موجة اضطرابات جديدة في الضفة، ضد السلطة واسرائيل، في ضوء الوتيرة البطيئة التي تجري فيها اتصالات المصالحة بين رام الله وغزة.
عن "هآرتس"
