مطلوب إشراف دولي على تطبيق حق زيارة القدس
* *من حق كلّ معني بالأمر أن يخشى هذا الذي يتواتر التحذير منه: أن تستثمر إسرائيل الزيارات للقدس لمصلحتها هي: تدعم زعمها الكاذب بأنها تبيح حق العبادة لكل مؤمن، وتستبقي الهيمنة على المدينة في يدها بما فيها الهيمنة التي تمكّنها من اختيار من يزور ومن لا يزور*
//
جولة الجدل الجديدة حول مسألة التطبيع تتركّز هذه المرة على زيارة القدس المحتلة. أطلق الجولة دافعٌ سياسي عكسته دعوة الرئيس محمود عباس العربَ، بمسلميهم ومسيحييهم، والمسلمين الآخرين إلى زيارة مدينة المقدسات الدينية. ولئن أفصح الرئيس عباس، وهو غير المحسوب في مكثري الحكي، عن بعض أسباب إطلاقه دعوته في هذا الوقت بالذات، فمما لا شك فيه أنه لم يُفصح عن الأسباب كلّها.
بعد هذه الدعوة، في ما بدا كأنه استجابةُ لها أو تنفيذٌ لتفاهم سبقها، ظهر مفتي مصر، علي جمعة، في القدس بصحبة أمير أردني، فاحتدم الجدل أو لنقل إن ما احتدم هو اعتراض المعترضين على الزيارة. وقد أوصل الاعتراض في مصر إلى صدور توصية عن مجلس الشعب بأغلبية كبيرة تدعو مفتي مصر هذا إلى الاعتذار للأمة عن ارتكابه ما تعتبره التوصية خطيئة وتطالبه بالتنحي عن منصبه.
الجدل حول زيارة القدس أو سواها من المناطق المحتلة يجري على مسارين، دينيّ وسياسيّ. وفي كلّ واحد من المسارين يوجد مؤيدون ومعارضون، أقلية مؤيدةٌ وأغلبيةٌ معارضة. على المسار الديني يتوخى كل طرف استحضار مسوغات فقهية تسند موقفه. وعلى المسار الآخر تُستحضَر المسوغات الدنيوية. ولا يخلو الأمر من مجادلين يمزجون هذه بتلك. وقائع الجدل تظهر أن المسار الديني هو الأشدّ حضورًا. وهذا مفهوم: المكانة الدينية الفريدة للقدس، والانتعاش المتحقق للدعوات والتيارات الدينية في المنطقة كلها، فكيف لا يكون الأمر كذلك.
الدخول في جدل المسار الديني يوشك أن يشبه الدخول في متاهة لا فكاك منها. فأصحاب المسوّغات الدينية يستنبطون مسوغاتهم من ما ينسبونه إلى وحي السماء، الوحي الذي يقولون هم أنفسهم إنه توقف منذ قرون ولم يبق منه إلا ما يختارونه هم من إرثه القديم. وهم جميعهم، في هذه المسألة كما في كلّ مسألة أخرى، يختارون من هذا الإرث ما يلائمهم، فتتباين اختياراتهم وتتعدد، بمقدار ما تتباين وتتعدد وجهات النظر، ومستويات الوعي، والمصالح القائمة أو الأخرى المطموع فيها. وهكذا، وهذا على سبيل المثال فقط، يصير لدينا في مصر مفتيها الذي يُجيز الزيارة والأزهر الذي يحظرها، كما يصير لدينا في فلسطين مفتيها الذي يحظر الزيارة ووزير أوقافها الذي يحثّ على القيام بها.
إننا على هذا المسار إزاء ناس يعالجون مسائل دنيوية شائكة أو بسيطة بوسائل اعتمدها من غبروا، يرون الحاضر، أو يريدون لنا أن نراه بعيون الموتى، ويُصدرون أحكامًا تحلّل وتحرّم دون أن توفر اليقين.
ليس في الظن أن هناك إنسانًا سويًا واحدًا يعترض على زيارة القدس إن كانت ستعود بأي فائدة على أصحابها، وليس على مستوطنيها المحتلّين. لكن من حق كلّ معني بالأمر أن يخشى هذا الذي يتواتر التحذير منه: أن تستثمر إسرائيل الزيارات لمصلحتها هي: تدعم زعمها الكاذب بأنها تبيح حق العبادة لكل مؤمن، وتستبقي الهيمنة على المدينة في يدها بما فيها الهيمنة التي تمكّنها من اختيار من يزور ومن لا يزور. أمّا الادعاء بأن الزيارة ستجلب منافع اقتصادية لأهل القدس فقد يفتن من يتغافلون عن ما جرى للمدينة وأهلها على أيدي المحتلين. فقد أنشأت إسرائيل في المدينة وحولها الوضع الذي يُمكنها هي من الاستئثار بمنافع السياحة الدينية الآن وفي المستقبل، خصوصًا في المستقبل. وهذا وضع لا يُبقي لأهل المدينة الفلسطينيين من المنافع إلا ما هو أقلّ من الفتات.
هذا يدخلنا في السياسة، فيؤشر إلى الجدل المحتدم أيضًا على المسار السياسي. هنا تبدو الدعوة إلى إباحة التطبيع بشتى السبل سافرة الهدف. عرب الهرولة نحو إسرائيل يُعيقهم الموقف الشعبي شبه الاجماعي ضد التطبيع. ولأن هؤلاء يزدادون صفافّةُ بمقدار ما يزدادون تبعية لحماة إسرائيل، فإنهم يدفعون في اتجاه التطبيع دفعًا تُستخدم فيه كلّ الوسائل، وبضمنها الختل وادعاء الحرص على مصالح الفلسطينيين.
المسألة أعقد وأوسع وأعظم أهمية من أن تُتناول بخفّة. وما دمنا أمام موجة ختل جديدة قد تُوسّع الضرر، فلماذا لا تتضافر جهود الحريصين حقًا على مصلحة الفلسطينيين لوضع هذه المسألة في سياق لا يجلب لهم الضرر. ألا يمكن إدراج حق زيارة القدس وإلزام إسرائيل بإباحته لكل راغب فيه في سياق الحملة الجارية منذ بعض الوقت لفضح سلوك إسرائيل تجاه الأرض المحتلة. زيارة القدس حق لكل راغب، وإسرائيل التي أحكمت هيمنتها على المدينة هي التي تمنع حتى أهل البلاد بمعظمهم من التمتع به، وهي التي تستبقي في يدها سلطة انتقاء من تجيز لهم الزيارة ومن تمنعهم. أليس في هذا وحده، حتى لو لم تتوفر أسبابٌ أخرى، ما يستدعي بذل الجهد لتحريك المنظمات المحلية والإقليمية والدولية من أجل تدويل المسألة. وهل من المتعذر الدعوةُ إلى صدور قرار من الأمم المتحدة يضع آليات لإشراف دولي على تطبيق حق الزيارة، ويكفّ إسرائيل عن الاحتفاظ بسلطة الإجازة والمنع في يدها هي وحدها.
أطلق الرئيس عباس دعوته إلى الزيارة، فلماذا لا يمضي في هذه الدعوة قدمًا في الطريق الصحيح، لماذا لا يتولى المبادرة إلى تنظيم جهد من هذا النوع. كاتب هذه السطور على يقين من أن الرئيس عباس يعرف ملابسات هذه المسألة جميعها، ويعرف كيف يتستر ذوو المصالح المغايرة لمصالح الفلسطينيين بادعاء الحرص على أهل القدس. ولأن في فم رئيس م.ت.ف. ماءً كثيرًا يمنعه من الجهر بما يؤرقه، فهو مطالبٌ بأن يتميز بسلوكه عن سلوك الذين يُنفذون أجندات التطبيع الضار. مبادرة الرئيس إلى توسيع الاهتمام الدولي بحق زيارة القدس توفر له فرصة طيبة لإظهار تميّزه.
