قصف العقول

single

وأنا أراقب وأتابع الأحداث في سوريا من خلال شاشة "الجزيرة" القطرية أو "العربية" السعودية، يتهيأ لي أن النظام السوري يشن حرب إبادة ضد شعبه. أو أن هنالك حربا أهلية، تدور رحاها في كل مدينة وقرية في كل أنحاء الشام. والحرب بين الشعب الأعزل المسالم من جهة وبين أبنائه من الجيش السوري، المدججين بكل أنواع الأسلحة وفي الوقت نفسه مجردين من أي حس إنساني وانتماء وطني. فلا يتورع الجندي السوري، حسبما تظهره هاتان الفضائيتان، عن قتل أخيه أوإهانة أبيه أو هتك عرض أخته. كما أن هذا الجندي يقوم بشكل منهجي بتدمير مؤسسات الدولة، من مدارس ومتاحف ومساجد، التي بناها النظام نفسه.
 لا يساورني أدنى شك بأن الجندي السوري أرفع خلقا وأرقى مكانة من أصحاب هاتين الفضائيتين. وان الحرب الإعلامية التي تشنها هاتان القناتان على سوريا لا تستهدف النظام السوري فحسب، وإنما تسعيان الى تشويه سمعة المواطن السوري وتستهدف سوريا الوطن والدولة. وتتخذان من نظرية غوبلز، التي تعتمد على تكرار الكذبة حتى يصدقها المتلقي، منهجا لهما. وتسخّران في حربهما هذه أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا وتشويه الصورة وتزوير الأخبار في غرفهما المظلمة، لتأجيج الفتن الطائفية والقومية، أو على الأصح زرعها، وزج الشعب السوري في حرب أهلية حقيقية، تأتي على الأخضر واليابس في الشام.
ومنذ الخامس عشر من آذار الماضي حتى اليوم تتجنب "الجزيرة" في نشراتها الإخبارية، إدراج الأخبار عن سقوط الجنود السوريين برصاص، ما يتفق البعض على تسميتهم بـ "الثوار"، بالرغم من مقتل المئات من الجيش السوري في هذه الفترة.
 ومع أن "الجزيرة" و "العربية" تملكان المال والتكنولوجيا الحديثة في مجال الإتصالات، الا أنهما عجزتا عن فبركة مظاهرات مليونية في دمشق أو حلب أو اللاذقية. بل على العكس من ذلك تماما. فإن "الجزيرة"، في معرض نشرتها الإخبارية في الساعة السابعة من يوم الإربعاء ( 26/10/2011 ) عمدت الى تقزيم المظاهرة المليونية في دمشق ومئات الآلاف في الحسكة، تأييدا للنظام وتعبيرا عن رفض الشعب السوري لأي تدخل خارجي في شؤون بلادهم، سواء كان غربيا أو تركيا أو قطريا أو سعوديا. وأورد المذيع الخبر باستهزاء ووصف المظاهرات بأنها لا تعدو كونها " كرنفال " سبق اجتماع اللجنة العربية بالقيادة السورية. أما على شريط الأخبار للقناة فكتب "آلاف يتجمعون في ساحة الأمويين"!!بينما اعترفت الـ "بي.بي.سي" بضخامة المظاهرتين وأكدت أن كافة أطياف الشعب السوري اشتركت فيهما. ويوم أمس الأول حينما خرج الملايين في كل مدن الشام ضد قرار الجامعة العربية بتعليق عضوية سوريا في الجامعة انشغلت الجزيرة وأخواتها بتغطية مظاهرة مؤيدة للقرار أمام الجامعة العربية لم يتجاوز عدد المشاركين فيها مئتي إنسان.
 ويلاحظ المراقب للشريط الإخباري "للجزيرة" أنها حين تورد خبرا عن النظام السوري فإنها تكتب "نظام دمشق" أو"النظام في دمشق". وكأن سائر مدن وقرى الشام في قبضة "الثوار"! بينما لا يسيطر النظام الا على قصر الرئاسة. إن اختيار "الجزيرة" لهذه المفردات ليس صدفة وانما تعبيرًا عن موقف أصحابها. وللتدليل على انحياز الفضائيتين الى المعسكر المعادي لسوريا واضمحلال مهنيتها أتساءل، ولا أنتظر الجواب، لماذا تتجاهل هاتان الفضائيتان ما يجري في البحرين، التي لا تبعد سوى عشرات الكيلو مترات عن قطر أوالسعودية؟!
ربما تتمكن "الجزيرة" و"العربية" من خداع وتضليل قطاع واسع من الجماهير في الدول العربية وفي بلادنا، خاصة وأنهما تحرصان على استضافة أسماء لامعة من دعاة الدمقراطية وفقا للمفهوم الأمريكي لها و"المفكرين الجدد"، والمستعطين من رجال دين عند أعتاب قصور أمراء وملوك الجزيرة العربية. وهم ليسوا بقلائل. بشرط عدم التعرض لآل عبد العزيز ولآل ثاني، لأن ذلك ضرب من ضروب الكفر. فهم أصحاب النعمة رغم عقمهم الفكري والأخلاقي في آن واحد.
إلا أن ذلك لا ينفي أبدا أن ما تقوم به "الجزيرة"، هذه الفضائية العملاقة والتي تفوق ميزانيتها الـ 500 مليون دولار، وهي جزء من ميزانية الإمارة القطرية وما تبثه "العربية"، من خلال تغطية الأحداث في سوريا، هو من باب دس السم في الدسم، وقصف للعقول وقنصها، واستخفاف بعقلية الإنسان العربي يثير الاشمئزاز.

قد يهمّكم أيضا..
featured

منتدى دافوس إطار لخدمة النظام الرأسمالي العالمي!

featured

فشِّة خلق صباحيَّة

featured

توقُّعات متفائلة

featured

"حذارِ، حذارِ من جوعي ومن غضبي"

featured

جشع السلطة ونهم السيطرة

featured

سعير. كبش فداء

featured

ألحكــم العسكـــري...

featured

شبح البطالة يخيم