أشاركُ، منذ عقودٍ، بالمسيرات وبالمظاهرات القطريّة مثل ذكرى يوم الأرض وذكرى أحداث أكتوبر ومسيرة العودة والأوّل من أيّار وغيرها من المسيرات أو المظاهرات الوطنيّة. وأتحاشى السّير في الصّفّ الأوّل للمسيرة لسببين أولهما: الازدحام الشّديد لكثرة القادة والزّعماء الذين لا يتّسع لهم أيّ صفٍّ مهما كان عريضا. والسّبب الثّاني: ليتسنّى لي سماع الهتافات التي تعبّر عن أفكار الشّابّات والشّبّان وأوجاعهم وآمالهم وعمّا يشغل النّاس من قضايا وطنيّة أو يوميّة.
يُعجبني الهتاف الصّادق الموسيقيّ، المعبّر العفويّ، الموحّد الثّوريّ، القليل الكلمات، الذي يسهل ترديده. ولا أنسى شبّانا من النّاصرة ومن الطّيّبة ومن كفر ياسيف كانوا يبدعون ويتألّقون في هتافهم الجميل في المسيرات والمظاهرات بينما كنتُ أسمع أحيانا هتافا لا أتّفق مع مضمونه.
سرتُ والكاتب إميل حبيبي في مظاهرة في بلدة سخنين في أوائل الثّمانينات فسمعنا شبّانا وشابّاتٍ من حركةٍ وطنيةٍ يهتفون "ما عاد ينفعْ، غير المدفعْ" فانزعجنا وتساءلنا: هل المظاهرة والمسيرة والاعتصام والإضراب والقصيدة والمقالة والمسرحيّة والأغنية لا تجدي نفعا؟ ومن الذي يملك المدفع في بلادنا؟ هل يريدون أن نسكت؟ وعندما عاد إميل حبيبي إلى مكاتب صحيفة "الإتحاد" في شارع الحريريّ بحيفا كتب أسبوعيّته التي كان يوقّعها باسم "جهينة" منتقدا ذلك الهتاف.
شاركتُ في هذه السّنة بعدّة مسيرات شعبيّة ولفت نظري هتافات وطنيّة وهتافات وحدويّة وهتافات نشاز وهتافات غير موحّدة وهتافات دينيّة وهتافات تعيدنا إلى عبادة الفرد أيّام كان البعض يغنّون لشمس الشّعوب.
لا أدري لماذا نسيرُ في مظاهرة نحتجّ فيها على مصادرة أراضي أهلنا في النّقب أو هدم البيوت ونهتف "الله أكبر ولله الحمد" بينما أشعر بالعزّة حينما أسمع "الله أكبر فوق كيد المعتدي". وذُهلت حينما سمعتُ شبّانا ينتمون إلى حزبٍ ثوريٍّ عريق يهتفون "شبّيحه شبّيحه للأبدْ، لأجل عيونك يا أسدْ" أو "من هالعين ومن هالعين، شكرا روسيا شكرا صين، بدل الفيتو أخذنا ثنين، واحنا رجالو لبشار" كما تضطرب أمعائي حينما أسمع هتافات تمجّد تركيّا وسلاطين آل عثمان وتدعو إلى عودة مولانا الخليفة ! .
ولأنّنا نحبّ الشّتائم ونبدعُ فيها وننتشي حينما نلفظها ونطربُ لسماعها فنطرطش في مظاهراتنا ما تيسّر منها على الدّول العربيّة ملكيّة أو جمهوريّة، وعلى قادتها ملوكا وأمراء ورؤساء. وإن ننسَ فلا ننسى الرّئيس أبا مازن الذي لم يتنازل عن شيء من الثّوابت الوطنيّة وذا التّاريخ النّضاليّ العريض والذي تعاديه وتحاربه الغالبيّة العظمى في إسرائيل وتعمل على تشويه صورته والإساءة إليه بصورة ممنهجة، كما تشتمه الحركات الدّينيّة الإسلاميّة صباح مساء، فكأنّ الرّجل لم يناضل ولم يؤسّس حركة "فتح" مع رفاقه، ولم يعمل على عزل حكومة إسرائيل دوليّا، ولم يحقّق إنجازات سياسيّة هامّة لشعبه، فالرّجل كما يقول المثل "لا مع ستّي بخير ولا مع سيدي بخير". المهمّ أن نهتف ضدّه يا أبو مازن يا.... يا.....!!
