بعد ربع قرن تقريباً، من إعلان الاستقلال في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني، على أرض الجزائر، في الخامس عشر من تشرين الثاني 1988، هل نقترب الآن، من إعلان إقامة الدولة، في العام 2010 أو 2011؟
البرنامج الذي أعلن عنه رئيس الحكومة سلام فياض يوم الثلاثاء الماضي، وقدمه إلى الرئيس محمود عباس، كوثيقة عمل لحكومته، ولأي حكومة قادمة، خلال العامين القادمين، يؤكد بوضوح على هذا الاقتراب، ويكرس العمل الحكومي والمجتمعي كله، بمختلف مؤسساته وهيئاته ومستوياته، للوصول الفعلي قبل نهاية العامين، إلى إقامة الدولة.
والواقع أن إقامة دولة فلسطين استحقاق تاريخي سبق أن أقرّه اتفاق أوسلو. فحسب هذا الاتفاق، كان للفترة الانتقالية أن تستمر لخمس سنوات فقط، من 1994 إلى 1999، يتم بعدها وعلى الفور، إقامة الدولة. إلا أن هذه الفترة طالت لأكثر من خمس عشرة سنة، دون أدنى مؤشر لمدى أفقها الزمني، وكأنه مفتوح إلى أجل غير مسمى، أو كأن الدولة المعنية ذاتها، لن تقام في أي وقت.
ثمة أحداث وتغيرات كثيرة حصلت خلال هذه الفترة الطويلة. وهي كلها أحداث وتغيرات استغلتها إسرائيل لمصلحتها. فعلى الرغم من أنها (أو ما يُفترض أنها) كانت مخاضا لولادة دولة فلسطين، عبر الصراع التفاوضي الصعب والمعقد مع إسرائيل، إلا أن إسرائيل ذاتها، وجدت في هذا الصراع، ما يتوافق مع خططها بإطالة مدته، وإغراقه بمناوراتها السياسية واعتداءاتها المتكررة والقائمة أساسا، على تحطيم الاستحقاق التاريخي للشعب الفلسطيني في دولته المستقلة على حدود العام 1967، وعاصمتها القدس.
ويبدو أن إسرائيل الموغلة في هذا التحطيم إلى حينه، بمزيد من الاستيطان اليهودي في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وبخاصة في القدس، توهمت أخيرا، أن الخلاف الفلسطيني - الفلسطيني، بانقلاب حماس وسيطرتها على قطاع غزة، وفشل الحوار الوطني إلى حينه، في إنهاء هذا الخلاف، قد عزز قدرتها على خنق القدرة الفلسطينية بالمقابل، في مجرد الحديث عن استحقاق دولة فلسطين. فأين، وفق هذا الوهم الإسرائيلي، ستكون هذه الدولة؟ وكيف؟ ما يعني أن إسرائيل مسترخية على ضياع هذا الاستحقاق إلى الأبد، وأن السلام الذي تتحدث عنه في السياق، لا يعدو كونه واحدة من مفردات العلاقات العامة التي تستجيب بها بروتوكولياً، للضغوط الدولية من حولها، دون أن تُلزمها بشيء فعلي على الأرض.
يبرز هذا المعنى الإسرائيلي العدواني، بوضوح شديد في هذه الأيام، على أيدي حكومة إسرائيل اليمينية المتطرفة، برئاسة بنيامين نتنياهو وإلى جانبه وزير خارجيته الأشد تطرفا، أفيغدور ليبرمان. ففي الوقت الذي يطالبها العالم كله، بما فيه الولايات المتحدة منذ وصل إلى رأس إدارتها باراك أوباما على الأقل، بوقف الاستيطان بكل أشكاله، لإفساح المجال أمام استئناف المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، تضرب هذا المطلب الشرعي والثابت أصلا في بنود خارطة الطريق، عرض الحائط، دون اكتراث من جانبها بالخارطة وبالطريق، وبكل ما يتعلق بالتسوية القائمة عليهما.
سبق للسلطة الوطنية على أية حال، في بعض الحالات الصعبة التي واجهتها مع أكثر من حكومة إسرائيلية سابقة، أن أوحت بطريقة أو بأخرى، أنها سوف تعلن من طرف واحد، عن إقامة دولة فلسطين، ما لم يتم الضغط على إسرائيل للتخلص من تلك الحالات. أي أنها كانت تمارس شكلا من أشكال المناورة السياسية، تحت بند الدولة، لتحقيق الضغط على إسرائيل.
ماذا أنتجت تلك المناورة التي لم تتسم آنذاك، بالحسم والجدية؟ لا شيء، إن لم يكن أنها أنتجت ما هو العكس مما هو مفترض بها أن تنتجه على الأرض. فقد ازداد الاستيطان، وتفاقم على امتداد البلاد، وبنت إسرائيل الجدار، وجعلت من تهويد القدس منهجا لكل حكوماتها، ومن الاعتداءات والاجتياحات ما يمثل برنامجها اليومي، إلى جانب أنها استهلكت طاقات السلطة في المواجهة التي لم تحقق هي الأخرى - أي المواجهة - ما يفيد عمليا، في بناء المؤسسات الفلسطينية والتنمية والاستعداد للحظة إقامة دولة فلسطين.
والآن، مع وثيقة برنامج الحكومة برئاسة الدكتور سلام فياض، ورعاية الرئيس محمود عباس، هل دقت ساعة الحقيقة بالنسبة لنا، ساعة استحقاق الدولة، بإقامتها فعليا على الأرض، في موعد صريح لا تأجيل له، أو تمديد، أو التفاف عليه، رغم أنف الاحتلال، وفي خضم الصراع المستمر معه حتى إنهائه، بعد كل ذلك المخاض الطويل والمعقد والمكلف جدا، بتضحياته الغالية وخسائره الكثيرة؟
(عن "الأيام" - رام الله)
