الخريف خريف لا يحتمل الدعابة..تتساقط الأوراق واحدة إثر أخرى..وتطير في مهب الريح..ويسير كلٌّ إلى زوال!
الرجال يتساقطون!
ولكل منا خريفه..ولكل منا حصته من العمر الراحل..إنها سنّة الحياة وإرادة الخالق في خلقه!
ولكن من أين للخريف هذه القدرة الخارقة على اختراق الهدوء والطمأنينة والسكينة..وكيف نجح في مغافلتنا واختطاف الأحبّة من بيننا..والذهاب بهم بعيدًا بعيدًا إلى عالم مليء بالضباب!؟
من أين للخريف هذا الفائض من الجرأة التي تلامس حدود المستحيل..لتنقضّ علينا وتفجعنا بأعزائنا وأحبائنا وبأغلى ما عندنا!؟
ويلحّ السؤال: لماذا ينقضّ الغياب على القرنفلة..ليقصف عمرها.. ويغيّبها..ويفجعنا بغيابها..فتصبح أثرًا بعد عين..وكأن شيئًا لم يكن!؟
وكيف يطيب للدهر في غفلة من الدهر..أن يباغتنا ويدهمنا..ويسرق من حدائقنا أزاهير الفرح..فتمطر السماء رمادًا خانقًا يصبح سيد المشهد!؟
إنه عدو متمرس حاذق وماهر..يجيد قطف الأقمار في عزّ بدرها..ليختفي بعدها..في طريق لا عودة منه..ويخفيها بعيدًا بعيدًا في دنيا ليست دنيا..
إنها نهاية تكتنفها غيوم كثيفة وغابات دونها غابات دونها غابات..والملايين من علامات السؤال!
**
ونعود إلى الأرشيف..
نفتح ملف الرجل..ونزيح الستار..فنرى مشهدًا مليئًا بالصفحات التي تثير الفخر والاعتزاز!
الطريق طويل طويل..والمسيرة طويلة طويلة..
يسير الرجل في طريق يطأ شوكًا..ويقطف وردًا يضوع شذا!
إنه يغذّ الخُطى..ويكدّ ويكابد..ويجاهد..ويتصبب عرقًا..ويتحدى العقبات الكأداء..أملا وطموحًا لاجتراح غد مشتهى!
يسير الرجل واثق الخطوة..فحيثما وطئت قدمه..نبتت عشبة خضراء مباركة!
**
نسلِّط الضوء على "خارطة الطريق" التي حملها الرجل في حقيبته.. فتستوقفنا لافتات منصوبة على المحطات التالية:
ينهي دراسته الثانوية في المدرسة الثانوية في الرامة عام 1958..وكانت المدرسة -كأخواتها في حيفا والناصرة وكفر ياسيف- قلعة تعليمية شامخة..ومنارة تربوية أضاءت الطريق أمام آلاف الخريجين المنتشرين في جميع أنحاء الوطن..وفي مواقع كثيرة خارج الوطن..
ينهي المرحلة الثانوية..ليبدأ مرحلة جديدة..ومدرسة جديدة!
إنها مدرسة الحياة!
ينضو الرجل عن ساعديه..وينزل إلى ساحة الوغى ليخوض المعركة الضارية..وعليه أن يتحدى الغابة التي تغصّ بالسباع!
تكون المحطة الأولى..يعمل في الأعمال الحرة التي تصقل شخصيته وتفولذها..وتعدّه لمواجهة التحديات التي تقصم الظهر..ويكون شعاره "نحن لها"..فيقتحم ساحة الوغى..ويملك الدربة والتجربة في اقتحام العواصف والأنواء التي تزخر بها البحار الهائجة. إنه يبحث عن أرض صلبة تكون قاعدة يقف عليها لينطلق..ويواجه التحديات بحكمة وعزيمة لا تُفلّ!
وتتابع السفينة رحلتها..وترسو في المحطة التالية..فيخوض تجربة العمل في القرية التعاونية "مشمار هعيمق"..وهناك ينفتح على "الآخر"..فيتعرف على لغة القوم..ليأمن عوادي الدهر..وتتسع دائرة التجربة ومساحة المعرفة!
ثم يشد الرحال إلى حقول التربية والتعليم..ويتنقل فيها حقلا حقلا..بدءًا بدير الأسد مرورًا بالبعنة ثم وادي الحمام..
وأخيرًا..يلقي عصا الترحال في مسقط الرأس..وينذر نفسه لخدمة أبناء قريته وبناء أجيال تعرف من أين تؤكل الكتف!..ويطيب له المقام في حضن قريته التي تتكئ على كتف جبل كنعان..بين أحضان الأهل والأصدقاء والأحبة!
يطأ عتبة هيكل التربية والتعليم..فيخطو الخطوة الأولى معلمًا..ثم نائب مدير ثم مديرًا للمؤسسة التربوية!
**
لقد آلى على نفسه إلا أن يخلص للرسالة..ويبني أجيالا صاعدة واعدة..ويعدّها للأيام الآتية..إلى غد أراده أن يكون مشرقًا وجميلا.
لم يقتصر عمله على الكدح في ورشة بناء أجيال المستقبل..فقد شارك في الفعاليات الاجتماعية والمناسبات والنشاطات المختلفة للأخذ بيد البلد والارتقاء به نحو مشارف المستقبل الأشرف. ومن موقعه عضوًا في المجلس المحلي حاول أن يخدم أبناء بلدته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
بعد سبعة وأربعين عامًا قضاها في خدمة آلاف الأجيال من أبناء شعبنا..خرج إلى التقاعد..ولم يقعد!
وظل النبع الثرّ يتدفق ويعطي ويعطي ولا يكفّ عن العطاء!
وأخيرًا..لقد آمن أن رسالته التربوية والفكرية والأخلاقية لا تكتمل إلا إذا ختمها بالحجّ إلى بيت الله الحرام وزيارة ضريح النبي العربي (ص)..وإلى هناك شد الرحال..
**
أحبّ الرجل اللغة الإنجليزية واطلع على آدابها..وطالع الكثير من الكتب في شتى مواضيعها..
فقد وجد في نفسه هوى لهذه اللغة وآدابها..وكانت له شرفة للمعرفة يُطل منها على حضارة الآخرين وآدابهم..
أحبّ تاريخ العرب..فاعتز بأمجادهم وفرح لانتصاراتهم..وحزن لانكساراتهم وهزائمهم..
عشق قراءة القرآن والإفادة من أسرار اللغة العربية وعلومها..وغاص في بحارها..واستخلص الدرّ الكامن في أحشائها..
أحب الوطن والسياحة في ربوعه..وتمتع برائحة ترابه وشذا أزهاره وخضرة أشجاره وأعشابه وزيتونه..
وعند محطة التقاعد..فتح صدره وبيته لأصدقائه وزملائه المعلمين مستشارًا ودليلا ومرشدًا..فنهلوا من ينابيع التجربة التي تدفقت لتلامس حدود الخمسين عامًا!
فقد نذر حياته لمجتمعه وشعبه وللأجيال الصاعدة..
ونذر نفسه لأهل بيته وأبنائه وأحفاده..
لقد شبّ على العطاء الحاتمي وشاب عليه..
ولكل امرئ من دهره ما تعودا
كما قال جدنا المتنبي.
**
الإيمان العميق والصادق..مانعة صواعق!
عندما كمنَ له الدهر خلف الزاوية..فاجأه واختطف شريكة حياته في رمشة عين..وركب الريح..وطار بعيدًا!
وغاص الحزن عميقًا في سويداء القلب!
ولكنه لم ينهزم ولم ينكسر..ولم تزعزعه الصواعق!
فقد بقي رابط الجأش ثابتًا!
إنه الإيمان العميق الصادق..إنه مانعة الصواعق!
**
إن الآلاف من الأجيال التي تتلمذت عليه وبناها خلال خمسين عامًا هي الثروة الحقيقية التي تركها لنا الرجل.
فحيثما التفتّ وجدتَ بصماته الخضراء مضيئة مشرقة..
مثل هذا الرجل ستذكره الأجيال التي تخرجت من معطفه..وعليها بصمة من بصماته..وفي أنفاسها نسمة من شذاه!
فليكن مثواه الجنة!
ولتبق ذكراه عطرة!
ولأهله وأبنائه وإخوته وجميع آل قادري الصبر والسلوان وحسن العزاء!
**
(في ذكرى الأربعين لغياب المربّي صلاح حسن قادري (أبو رائد) الذي رحل عنا بتاريخ 19-4-2013)
