هنري غورو
في هذه الأيّام! تناقلت الصحف رسالة الجنرال هنري غورو، المتوفّى سنة 1946، التي بعث بها إلى دان شبيرو سفير الولايات المتحدة الأمريكية الحالي في إسرائيل، اليهوديّ الذي يتحدّث العبريّة بطلاقة.
* كتب غورو لشبيرو: لا تستغرب..فأنا لم أقم من بين الأموات ولم أدس الموت بالموت كالناصريّ، لكنّ روحي البيضاء ترفرف مع أرواح بيض الصفائح من حمام السلام فوق مرابع الشرق الأوسط الخضر، وهي مطّلعة على كلّ التطوّرات والأحداث...فاطّلعتُ على ما جاء على لسانك في مقابلة لصحيفة معاريف، يوم الجمعة الفائت، وارتأيتُ أن أقدّم لك ولرئيسك بعضَ الملاحظات؛ لأن مصلحة أمريكا تقتضي أن أذكّرك بما يجب أن تذكّر به رئيسك، ليذكّر هو بدوره حلف الناتو.
* كتب غورو لشبيرو: أنا أعرف أنّكم تضغطون على دول مركزيّة كي تتوقّف عن شراء النفط الإيرانيّ، وأنّكم اقترحتم عليها بدائل مثل السعوديّة وغيرها، وأنّكم تعتبرون النوويّ الإيرانيّ خطرا وجوديّا وأمرا مصيريّا لمصالحكم ولقوّاتكم ولكافة الدول الديمقراطيّة ودول الخليج التقدميّة ولدولة إسرائيل الحليفة الإستراتيجيّة، ربّما جاءت تصريحاتكم على هذا النحو من الوضوح والحدّة وفي هذا الوقت؛ لكسب المزيد من تأييد الجاليّة اليهوديّة والدعم الماليّ لرئيسكم في انتخابات الرئاسة القادمة. لقد سمعت ما قاله رئيسكم تمشيّا مع هذا السياق؛ بأنّه لن يسمح أن تمتلك إيران السلاح النوويّ، وهو جدّيّ ويقصد ما يقول! وبأنّ كلّ الخيارات العسكريّة جاهزة على الطاولة أكثر من أيّ وقت مضى، وبأنّ التدريبات والمناورات و...على قدم وساق.
* وجاء أيضا في رسالة غورو لشبيرو: قرأت تصريحاتكم عن انتهاء حكم الأسد، وبأنّ المسألة مسألة وقت، وأعرف أنّكم وإيهود براك تتخبطون في حساب الوقت، وأنّكم أقمتم ضدّه منظومة من الضغط السياسيّ والاقتصاديّ، وأنّكم تعتقدون بأنّ الأسد ينتابه الفزع؛ لأنه فقد جميع أمواله، والمعارضة تزداد قوّتها وتتّسع سيطرتها.
*كما كتب غورو لشبيرو: أعرف أنّكم تساعدون العناصر الديمقراطيّة (في دول الشرق) وتجيّشون الرافعات المحسوبة عليكم كي يدمج الاخوان المسلمون، الذين يحكمون في هذه الأيّام الشرق، ما بين الشريعة الإسلاميّة والشرعيّة الدوليّة بمسؤوليّة! وأعرف أنّ مساعدتكم للإخوان مشروطة بـِ:1- احترامهم لاتفاقيّات السلام المبرمة مع إسرائيل و2- ومراعاتهم للقيم العالميّة، مثل حقوق المرأة والأقليّات و3- تحالفهم مع المعتدلين و4- احترامهم لقوى ولقيادات الجيش الموالية لكم...
وأضاف غورو لشبيرو: أعرف بأنّكم تسعون لجعل دول الشرق دولا ديمقراطيّة كي تضمنوا السلام؛ لاعتقادكم بأنّ الدول الديمقراطيّة لا تتحارب فيما بينها.
*وفي الختام كتب غورو: لكن يا شبيرو سأذكّرك بما قاله لي فارس الخوري وزير الماليّة في الحكومة السوريّة ...عندما انتصرت قوّاتي الفرنسيّة على جيش المتطوّعين العرب بقيادة وزير الحربيّة البطل يوسف العظمة، الذي رفض تسليمي سوريا دون قتال، وفجّر معركة العزّة والكرامة والمبادئ للعرب في ميسلون في 24-7-1920، انتصرت عليهم في معركة غير متكافئة، للفارق الهائل في ميزان القوى بين الجيشين... استشهد البطل يوسف العظمة الذي أكنّ له التقدير والاحترام، وهرب الملك فيصل من قصر المهاجرين في دمشق وفرّ من سوريا، لكنّ فارس الخوري لم يتخلّ عن مسؤوليّاته وناشد باقي الوزراء والمسؤولين بأن يسلّموا وظائفهم لنا، حسب الأصول لئلا تعمّ الفوضى البلاد...! دخلت دمشق مزهوّا منتشيّا مختالا، زرت قبر صلاح الدين، وخاطبته: "ها نحن عدنا يا صلاح الدين" ونزلت قصر المهاجرين، ودعوت الوزراء والمسؤولين السوريّين إلى جلسة غداء في القصر، رغبت أن أتهكّم على الملك فيصل وأن أسخر من الحضور والعرب فسألت الحضور: "هل كان ملككم فيصل يسكن في هذا القصر الجميل؟". فأجابني فارس الخوري: "نعم، كان يسكن في هذا القصر الذي بناه وسكنه الوالي ناظم باشا التركيّ، ثمّ سكنه أحمد جمال باشا، ثمّ الجنرال اللنبي، ثمّ الملك فيصل، والآن تسكنه أنت، فجميع الذين سبقوك رحلوا وبقي القصر وبقينا نحن".
