*انتفاضات الدول العربية تثير الاعتزاز ولكن يغيب عنها الأساس
*الانقلابات بشعاراتها الحالية لن تحقق الرخاء الاقتصادي لأن الدول محكومة للاستعمار الاقتصادي الجديد
*صراخ أميركا من أجل الديمقراطية من خلال بوقها الشرق أوسطي، يهدف لحجب الأنظار عن المستبد الأساسي
*وسؤال: أليس لتفاعلنا مع ما يجري حدود، خاصة نحن في إسرائيل؟، فمن أنا لأقرر للشعب المصري، حينما ارفض التدخلات الخارجية لقضايا شعبي الداخلية؟
في منتصف سنوات الثمانين، وبعدها بقليل، شهدت عدة دول في المنطقة وغيرها من الدول الفقيرة في العالم، انتفاضات شعبية عارمة، أطلق عليها في حينه "انتفاضات الخبز"، وكانت الاحتجاجات يومها موجهة لرضوخ حكومات تلك الدول لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، الذراع الأساسي للإمبريالية العالمية، بالغاء الدعم الحكومي عن رغيف الخبز، ما أدى إلى قفز أسعاره بنسب عاليا، في مرحلة كانت فيها نسب التضخم المالي في العالم قاطبة، عالية جدا.
ولم تكن أي من تلك المظاهرات، إلا ورفعت فيها شعارات موجهة بالأساس لهذه المؤسسات الاقتصادية الاستعمارية الدولية، التي ترضخ لها غالبية دول العالم، بسبب الديون الخارجية، التي ترزح تحتها تلك الدول.
وحال دول العالم بغالبيتها الساحقة اليوم، هي كحال غالبيتنا الساحقة نحن كمواطنين، فنحن خاصة في إسرائيل، نعيش على حسابات بنكية تعتمد نظام السحب الزائد، أو حسب التسمية المتداولة "المينوس"، والغالبية أيضا في مراحل متقدمة من الغرق في "المينوس"، تحتاج إلى قروض بنكية لإعادة جدول القروض، ومن هنا حتى الغرق الكلي تكون الطريق قصيرة، وقصيرة جدا.
إلى ذلك، فإن الغالبية الساحقة جدا جدا منا، كمواطنين هنا وفي العالم كله، لا تستطيع شراء بيتها أو بنائه على أرضها إلا بالحصول على قروض إسكانية، منها ما هو مغلف بحصة ضئيلة كـ "قروض حكومية مدعومة"، والباقي قروض بنكية مباشرة، فهل حسب الكثيرون منا، كم مرّة يتضاعف عليه القرض خلال عشرين وثلاثين عاما، رغم انه من حيث المبدأ يتناقص شهريا بفعل التسديد الشهري، لا حاجة لحسابات كثيرة، فعندنا هنا، حيث نسب الفائدة لربما اقل من دول أخرى، ندفع فعليا ما لا يقل عن 200% إلى 300%، إن لم يكن أكثر من قيمة القرض الاصلي.
وهذا النموذج المصغر عندنا كأفراد، مطابق كليا لوضعية غالبية دول العالم، التي زاد غرقها في الديون بفعل قوانين واتفاقيات العولمة والأسواق المفتوحة التي تقضي على الصناعات المحلية، وهذه الدول تكون مطالبة من شعوبها بمواكبة التطور، وعليها أيضا ان تزيد من استيراد المصنوعات الالكترونية والغذائية والقائمة تطول، وكلما زاد الاستيراد زادت الأعباء على الدولة والشعب، بينما زادت الدول الغنية ثراء وارتقاء في مستوى المعيشة.
وكما أن البنك يتصل بك أحيانا ليقول لك، "لحد هون وبس"، كذا أيضا المؤسسات الاقتصادية الدولية، الذراع الضارب للقوى الإمبريالية، التي تستفيد أيضا من ابقاء الغالبية الساحقة من شعوب العالم، شعوبا ضعيفة لا تقوى على المنافسة، وهذا ما يزيد من حجم الاحتكار.
مظاهرات اليوم
بداية من الضروري التوضيح إلى أنه مثل هذه الهبات الشعبية، تثير الاعتزاز، فالشعوب لا يمكن أن تسكت على مآسيها أكثر، ولكن من بعيد نقول، إن اقتصار عناوين هذه الانتفاضات الشعبية في مسألتي الديمقراطية والفساد، وكلاهما قضيتان هامتان، يثير القلق من المستقبل، والقلق يزداد حينما نرى الاندفاع الأميركي، غير المفاجئ، "دعما" للشعب المصري، وبحرارة زائدة، إذ بدأ البيت الأبيض بصرف رواتب تشمل ساعات إضافية كثيرة لكبار نجومه، من باراك أوباما ومن لفّ لفه.
انتبهوا إلى التفاصيل الدقيقة للخطاب الأميركي، فهو أيضا يقتصر على قضيتي الفساد والديمقراطية، فهاتين قضيتين لا شأن لهما بأميركا، وكلما غرق الجدل الشعبي فيهما أكثر، كانت "الفائدة" أكبر، لأنه تم حجب النظر كليا عن القضية الاساس، السبب الأساسي في الدمار الاقتصادي الذي تعيشه مصر "ام الدنيا"، ولكن ليس وحدها.
وهنا يظهر دور الإعلام بشكل مقلق، وأذكر بشكل خاص قناة "الجزيرة" التي جاءت انتفاضة الشعب المصري العظيم، لتكشف أكثر عن وجهها الحقيقي، رغم دغدغتها للعواطف، فقد رصدت بث القناة مساء يوم الثلاثاء، ما بين الساعة التاسعة إلا ربع وحتى الساعة الحادية عشر ليلا، حتى غلبني النعاس، من كثر التكرار.
ففي هذه المدة الزمنية، كانت حصة "المحللين" والسياسيين الأميركيين، من مجمل حصة البث التي تم تخصيصها للمعلقين والمحللين، ما بين 40% إلى 50%، رغم أنني أميل إلى النسب الاعلى من بينهما، ودون اي تعليق "جزيراوي قطراوي" يقاطع ويتساءل، كما شهدنا الجهابذة أنفسهم في استوديوهاتهم قبل اسبوع، فكم كانت أميركا البيت الابيض "جميلة" في تلك الليلة، حريصة على شعب مصر إلى حد سيل الدموع.. دموع التماسيح.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأساس، حول طبيعة الحكم المقبل على مصر، فهل رتبت أميركا أوراقها من جديد داخل مصر، لتضمن من يسيّر أمورها ومصالحها بطرابيش جديدة، وهل أي نظام وحكم سينشأ بعد رحيل الحكم الحالي في مصر، سيكون قادرا على قيادة مصر إلى عهد جديد من الرخاء، وهو مثقل تحت الديون الخارجية، التي منها ما صرف على الفساد، ولكن من السخرية التوهم وكأن مشكلة الاقتصاد الوحيدة هو الفساد، الذي يجب اجتثاثه بطبيعة الحال.
وهذا ليس بدافع دس أجواء الإحباط أو التقليل من أهمية ما يجري على الارض، بل على العكس تماما، فعلى هذه الشعوب أن تصب جام غضبها على الوحش الأساس، على الناهب الحقيقي للقمتها وفرص حياتها، في ظل الحكم الحالي وما بعده، وعلى هذه الدول الامبريالية أن تخاف وترتعد، من هذا المد الشعبي الجارف الذي اثبت قوة وجبروت الحراك الشعبي الزاحف على الظلم والظالمين، ولا أن نعطي لأميركا وباقي أشباهها من دول السلب والنهب وغيرها، المنابر والفرصة لتقول ما تقول، لتبرز وجهها المشرق كالشمس، ولكن كالشمس الحارقة على رأس تائه في صحراء من دون ماء.
وحينما أقول الشعوب، فاقصد نحن أيضا، رغم ان العدو الاقتصادي أمامنا مزدوج، سياسي عنصري، واستغلالي رأسمالي، فنحن ليس أكثر من مترفين بديمقراطية الثرثرة، وحتى هذه ندفع ثمنها، ولكن حالنا الاقتصادي ليس أفضل، بل مغطى بطبقة هشة مزينة ببعض اللمعان والبريق.
وبعض الكلام عن رد الفعل عندنا والعالم
ليس سهلا أن تعرض موقفا لا يتناغم مع الأجواء العاطفية السائدة في الشارع، ولكنني من هذه المدرسة الماركسية اللينينية، التي لم ترتجف اقدامها يوما، حينما خطت المواقف الجريئة في أصعب الظروف، ونعتز بأن التاريخ، على المدى القصير أو الأبعد، يؤكد تباعا مصداقية هذه المواقف.
ومما لا شك فيه، أننا كطبقيين بالأساس، نبتهج حينما نرى الشعوب تنتفض على الظلم والظالمين، ولدينا ما نقوله، ولكن برأيي الخاص، فإنني أرى أنه في حالتي مصر وتونس وغيرها لاحقا إن كان، فإنه من الزائد أن نخرج إلى الشوارع، ويضاف لها أننا في إسرائيل، لنتظاهر إلى جانب المعارضة المصرية، وحتى أمام السفارة في تل أبيب... تل أبيب، ففي هذا شيء من التدخل الزائد في الشؤون الداخلية، فلست أنا الذي يقول لشعب مصر "أم الدنيا" ماذا يفعل، خاصة وأنه اثبت مرارا عبر التاريخ انه شعب جبار.
أو مثلا كيف من الممكن ان ترفع عندنا هنا شعارات "ارحل يا مبارك"؟، فلنفترض بنسبة 1% وحتى أقل، أن المعارضة المصرية، والمنتفضين في ميدان التحرير، قرروا تغيير المطالب تكتيكيا، وقرروا انتقالا بشكل مختلف للحكم، ولم يرحل مبارك، فبأي حق أن يكون لنا مطلب كهذا، خاصة وان الرجل يجاهر أنه عسكري ويقول: "ولدت في مصر وسأموت فيها"، بمعنى أنه يتفق مع الفنانة الوطنية كاميليا جبران، حينما يصدح صوتها، المشتاقون اليه كثيرا: "والزعيم اللي هرب مش من تقاليد العرب".
في اليومين الماضيين، اتصل بي أحد المراسلين الشباب الطيبين، ويسألني بدافع الحماسة، وأنا لا ألومه: "ما هو موقف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة من خطاب الرئيس حسني مبارك، وهل ستصدرون بيانا في هذا الشأن؟".
وفي الحقيقة كان ردي استنكاريا وفوريا، فقلت ساخرا: إن لجنة الخارجية والأمن في الجبهة الديمقراطية مجتمعة منذ مساء الثلاثاء، لتبلور موقفها وتصدر تعليماتها الجديدة للمنتفضين في ميدان التحرير!!.
موقفنا نحن الفلسطينيين هنا، له علاقة وارتباط مباشر بموقف شعبنا الفلسطيني عامة، الذي يعيش حالة من الشرخ والانقسام، ونحن من أولئك الذين يؤكدون أن أياد خارجية تتدخل وتغذي هذا الانقسام والشرخ لمصالح تتعارض كليا مع المصلحة الوطنية الفلسطينية، وندعو دائما إلى وقف التدخلات الخارجية، وأخلاقيات هذا الموقف تقتضي بأن نقولب تفاعلنا مع شعب مصر، وفق ما نريد لأنفسنا، فمصر لا تتعرض لعدوان خارجي، بل إن العدو الخارجي الحقيقي لشعوب العالم كلها: الامبريالية العالمية وعلى رأسها أميركا، يظهر لنا بلباس الحملان في هذه الأيام.
والى رفاقي كلمة: نحن تلك المدرسة صاحبة المواقف الصادقة والثابتة المبنية على أسس ايديولوجية، في صلبها العدالة الاجتماعية، وعلى مقربة منا، من لديهم المواقف عبارة عن أثمان لتسديد الفواتير، وسنرى هؤلاء مثلا، كيف سيكون رد فعلهم، في حال انتفض شعب آخر، أكثر شمالا، كمجرد افتراض.
