سياسة "الزيغ زاغ" لحكومات اسرائيل وسياسة الرايح جاي ليشرب القهوة والشاي ما هي الا ليبقى الحال على ما هو عليه

single

سنوات عدة من المماطلة والمراوغة تنتهجها حكومات اسرائيل، يتبعون سياسة "الزيغ زاغ" تارة يفوح منها رائحة التهديد والوعيد لدول المنطقة من اجل تصعيد التوتر، وكأن سموما في الجو تنتشر وتغطي منطقة الشرق الاوسط، وكأن الحرب ستنشب غدا. وتارة وكأن بركانا خمد وبرد فجأة دون سابق انذار فيتكلمون عن محادثات سلام دون ان يكترثوا للتصعيد الذي كان قبل يوم. اما ميتشيل الذي يمارس دوره في هذا السيناريو فلا يسعه الا ان يكون مثل "الزيغ زاغ" ايضا رايح جاي لا لشيء الا ليشرب القهوة والشاي ودون ان يحدث أي تغيير في المنطقة. فمثلا في العام الماضي جاء ميتشيل الى المنطقة وصرح في الجزائر بان أي اتفاق للسلام في المنطقة لا بد وان يمر عبر قيام دولة فلسطينية مستقلة ومعتبرا ان تحقيق السلام يشكل احد المصالح القومية بالنسبة للولايات المتحدة. وهل يا ترى كانت امريكا جادة من وراء تصريحات ميتشيل هذه؟ ومنذ مجيئه الى تل ابيب التقى وزير الخارجية الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي استقبله غاضبا وعاتبه بان دولته تصعّد من حدة لهجتها بالنسبة للمفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين، وتلح علينا بان التعامل مع الملف الايراني منوط بتقدم المفاوضات والانسجاب الاسرائيلي من الضفة الغربية.
اما نتنياهو فما كان منه الا ان جُن جنونه لسماعه هذه التصريحات لميتشيل، وطار الى امريكا حاملا خطة لعلها تحدّ من التصعيد الامريكي عند عرضها على الرئيس الامريكي اوباما ومما جاء فيها: 1) كبح جماح البرنامج النووي الايراني اولا. كيف؟ هو يريد ان يشعلها حربا في المنطقة لا يعرف كيف تنتهي، ويعطي الحق لنفسه بالتسلح النووي واشعال حروب ما لا يعطيه لغيره، ليضمن لصالحه النفوذ الدائم والسيطرة والتحكم بالشعوب واذلالها في المنطقة. فالصهيونية التي ينتمي اليها وكأنها لا ترى فشلها في حروب السنوات الاخيرة في حرب لبنان وحرب غزة، رغم الدمار الذي انزلته بشعوب المنطقة دون اي انجاز يُذكر. 2) التقارب مع الدول العربية، أي انهم حضّروا في المطبخ السياسي الصهيوني كيف يطوّعون الحكومات العربية التي لا تقول لهم كلا. وكالعادة لا يكترثون للشعوب المعارضة لجميع هذه السياسات المهلكة ويضربون عرض الحائط بمصالحها. 3) معالجة الموضوع الفلسطيني على عدة مسارات، واضح ان حل القضية الفلسطينية حلا عادلا للشعبين الاسرائيلي والفلسطيني باقامة الدولتين وانهاء المعاناة والموت والجوع ليس من الاولويات. لا يهمهم من هذا الموضوع شيء ما دامت تهل عليهم ملايين الدولارات الامريكية لتمويل تسلحهم وخططهم ومشاريعهم الامبريالية العدوانية، ليس فقط الا لضرب الشعب الفلسطيني وتنفيذ مؤامرات في انحاء العالم ايضا، وليس من مجيب لكبح جماح حكومات اسرائيل، ويبقى فقط الاهانة والقتل والجوع مستمرا وان الحال يبقى في المنطقة على ما هو عليه. ثم عاد نتنياهو من امريكا كما يعود في كل مرة بعد نبش تابوت المفاوضات التي لم تؤد الى شيء او أي تقدم، عاد ليصرح فجأة بانه "مستعد للتفاوض مع سوريا والفلسطينيين لكن بدون شروط، وحل يتفق مع الاحتياجات الامنية الاسرائيلية". وكالعادة لم يحدث أي تقدم في حينه، لم تكن هذه الشهوة للمفاوضات لانجاز أي سلام للاسف، بل لتغطية مخططات حكومات اسرائيل الماكرة في مصادرة الاراضي وبناء مستوطنات اكثر ويزداد التنكيل ضد الفلسطينيين اكثر فاكثر من خلال الاحتلال والعنف وهذا سياسيا، اما اقتصاديا واجتماعيا فحدث  ولا حرج اذ ساء اكثر فاكثر وبعد ان تسرق قوتهم اليومي والنوم من عيون اطفالهم، حتى ماء شربهم تسرقه نتيجة وجود الجدار.
إن أعظم الحكام في العالم اجمع لا يهزهم او يحركهم الا مصالحهم وتعرّضها للخطر. فعندما اتى جو بايدين نائب الرئيس الامريكي هذه السنة الى تل ابيب للتحضير لمفاوضات اخرى من اجل السلام الاسرائيلي الفلسطيني، ما كان من الولد العاق نتنياهو الا ان يصرح بان بناء 1600 وحدة سكنية في بالقدس الشرقية سيستمر. وصرح مثيله براك وزير الامن ايضا بان اسرائيل تستطيع ان تضرب ايران دون مساعدة امريكا. كذلك موفاز الذي هدد بدوره بان الجيش الاسرائيلي سيخوض عملية الرصاص المسكوب على قطاع غزة اذا افتضت الضرورة. اية ضرورة واية ضربة عسكرية، اما من كبح لهذه الشهية التدميرية وسفك الدماء والاستعباد.
لقد دفعت هذه التصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس للتهديد بالانسحاب من محادثات السلام غير المباشرة، مما أثار حفيظة اوباما بان خطته في الشرق الاوسط ستفشل ولم يستطع تجاهل الامر، فغضب لان ذلك مس بمصالحه أي بمشروع السلام في المنطقة، ولم يستطع تجاهل الرأي العام داخل امريكا الذي تغير تجاه النزاع الاسرائيلي الفلسطيني والذي ايد مشروعه. كذلك الكره المتزايد للجيش الامريكي من قبل شعوب المنطقة بسبب النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. والتغيير ايضا الذي يحدث في توجهات اليهود الامريكان بانهم لا يمكن لهم الاستمرار للابد بتأييد أي شيء تقوم به اسرائيل. (هذا حسب د. فيليس بينس يهودية امريكية خبيرة في شؤون الشرق الاوسط). ان غضب اوباما هو ما دعا نتنياهو ليطير فزِعا مرة اخرى هذه السنة الى امريكا ليحتوي التوتر الاسرائيلي الامريكي. ففي اجتماع الكونجريس الامريكي اخذ يتباكى ويقول:"ينبغي الا نكون رهائن لمطلب غير منطقي وغير عقلاني"، وانه "نخشى من احتمال تأجيل محادثات السلام عاما آخر اذا لم يسقط الفلسطينيون مطالبتهم بتجميد تام للاستيطان". انه استغل سياسة "ضربني وبكى وسبقني واشتكى". أي خوف انتابه وعن اي رهائن يتكلم، هل هم الشعب الاسرائيلي المدلل وبين يديه العصا السحرية لتقول له شبيك لبيك وكل ما تحتاجونه بين يديكم من امريكا، ام ذاك الشعب الفلسطيني المنكوب الذي يعاني الجوع والمرض والموت يوميا بسبب تحكم الصهيونية المتغطرسة والامبريالية الرأسمالية التي انهكت قواه. والانكى من ذلك تصريح ليبرمان بادعاء ان المستوطنات ليست عائقا امام التسوية، وليس هذا فحسب بل يستطرد بان استئناف المفاوضات منوط بسحب السلطة الفلسطينية شكواها الى محكمة لاهاي، والغاء عقوبة الاعدام للفلسطينيين الذين يبيعون ارضا لجهات صهيونية. لقد تعودوا ان يطالبوا الضحية بدفع الثمن ويصطنعوا لانفسهم موقف الضحية امام العالم. ثم يعود براك هذه السنة ايضا ليهدد بانه اذا تبين ان التوصل الى تسوية سياسية مع الفلسطينيين اصبح غير ممكن فتقع المسؤولية على عاتق الطرف الآخر. لقد اعفى نفسه من المسؤولية مثل الذي يغطي الشمس بكفه الصغيره جدًا متوهما بان الشمس غابت مع انها ساطعة  وظاهرة للعيان. اما ميتشيل فلم يحمل معه شيئا للمنطقة في هذه السنة وكلامه محبط ولم يأتِ بجديد ورايح جاي بيشرب قهوة وشاي.
لقد فاحت رائحة سمومهم وملأت الاجواء. اما آن الاوان لكي نفهم ما يدور في خلدهم. لقد صرح نتنياهو بما خبأته حكومات اسرائيل منذ اكثر من ستين عاما بان حل الدولتين "محاولة طفولية وغبية" اليس هذا مخططا بحد ذاته بان لا تقوم دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل الى الابد. ولكن مهما أدلوا بتصريحات مسمومة ومهما زادوا من بناء مستوطنات في الضفة الغربية والقدمس الشرقية، فانه لا يصح الا الصحيح بان المحتل سينقلع يوما، كما قال البروفسور ليبوفيتش:"اذا لم ننقلع من المناطق فسنُقتلع من هناك".
ألم ينقلعوا من لبنان وغزة بعد محاولات عدة لاحتلالهم وتدميرهم، مع انه لم تكن لهم اية انجازات من التي كانت في مخططاتهم، والفضل بذلك يعود لصمود الشعوب التي مهما خسرت من ارواح وبنى تحتية الا انها تبني نفسها وما زالت موجودة على ارضها وهو الذي سينقلع. ان ليبوفيتش لم يقل هذه الجملة عبثا، ولقد قالها وهو يعلم بان التاريخ شهد الكثير من هذه الاحداث المتشابهة، لكن في النهاية لا يصح الا الصحيح، الا وهو تحرير الشعوب واستقلالها، واما هؤلاء فمصيرهم الى مزبلة التاريخ.

 


(عكا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

بين "حل الدولتين" و "حل الدولة الواحدة"

featured

قرار النيابة العنصري غير مفاجئ

featured

شمس العرب تشرق.. في انتفاضات الغضب

featured

ناريمان ونور وعهد التميمي نماذج للمرأة والفتاة الفلسطينية المقاومة والانسانيّة

featured

﴿..وَالزَّيْتُونِ﴾

featured

"المِچْزار"..

featured

أبا الأدهم سنلتقي