حول مشاركة أهلنا بالثورة الوطنية السورية ضد الاستعمار الفرنسي بقيادة سلطان باشا الأطرش

single

في أثناء الثورة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، التي بدأت في "جبل العرب" عام 1925، وألهبت الحماس لدى الجماهير الواسعة في سوريا ولبنان، فاندفعوا للنضال الوطني الجماهيري المسلّح، شارك فيها أهلنا في قرانا الواقعة في شمال الجولان، فكانت بلدتنا مجدل شمس مقرًا وممرًا للثورة والثوار، ومن جراء ذلك تعرضت للكثير من الانتقام وأعمال العنف من الجيش الفرنسي، لإرهاب مواطنيها ولكي تكون عبرة لغيرها. فعندما سقطت في قبضتهم بعد عام من المقاومة والنضال العنيف، أحرق الفرنسيون بيوتها جميعًا. كما  تعرضت القرى الشقيقة بقعاثا، ومسعدة، وعين قنية، وسحيتا، لنفس المصير، حيث خيّل للعدو أن ذلك سيضع حدًا لاجهاض الثورة في هذه القرى، ويلجم مواطني بقية قرى المنطقة من الانتماء للثورة.
فقد كان عدد الجيش الفرنسي الذي هاجم الثوار في القرى المذكورة واستطاع الوصول قريبًا من بلدتنا مجدل شمس يفوق عدة مرات عدد الثوار أبناء تلك القرى الذين اضطروا لترك قراهم والتجمع في مجدل شمس لملاقاة العدو  معًا والدفاع عنها. هذا وكان يرافق الجيش الفرنسي المهاجم عدد من الدبابات والمدافع بالاضافة للطائرات التي لم تفارق سماء المنطقة وكانت تلقي بقنابلها على الثوار والبيوت، مما دفع كبار السن العاجزين عن المشاركة في الحرب الدائرة، الى ترك بيوتهم والصعود هم والنساء والأطفال الى أعالي جبل الشيخ واللوذ في مغاوره وبين صخوره.
بدأت المواجهة مع الفرنسيين قرب قرية "عين الحجل" وبعد سبعة أيام من الاشتباكات بين الثوار والفرنسيين دفاعًا عن بقعاثا، ومسعدة، تمكن الفرنسيون من الوصول بالقرب من مجدل شمس حيث دارت المعركة الرئيسية، وأظهر الثوار المدافعون عن البلدة الكثير من الشجاعة الفائقة والصمود في مواجهة الهجوم الفرنسي. وقد تمت المواجهة الرئيسية في منطقتي "البواب – والسكرة" حيث سد الثوار الطريق الذي لا بديل عنه للدبابات المهاجمة من السير عليه، وذلك بالحجارة الكبيرة، واستطاعوا من الاجهاز على الجنود الذين جربوا إزاحة تلك الأحجار التي منعت الدبابات من مواصلة سيرها واستطاع الثوار أخيرًا إجبار العدو على التراجع الى الوراء، خاصة بعدما قام البطل "صالح شمس" قبل استشهاده وبعدما نفدت ذخيرة سلاحه بالهجوم على الدبابة القريبة منه مشهرًا سلاحه الأبيض بيده ومزمجرًا كالليث الجسور محاولاً الاعتلاء على الدبابة لطعن سدنتها اذا أمكن ذلك، فكان لمبادرته هذه وقع عظيم التأثير الايجابي لدى رفاقه الثوار حيث قفزوا من مكانهم وهاجموا بقية الدبابات محاولين قلب إحداها بأكتافهم، فأرعب ذلك المشهد الفرنسيين وأدخل اليأس الى قلوبهم، فتراجعوا للوراء منسحبين، واستمر الثوار بدفعهم الى الخلف واجبارهم على الاستمرار بالتراجع والابتعاد عن مواقع الثوار. ولا بد هنا من التذكير بأن تلك الدبابات الفرنسية لم تكن آنذاك بحجم ووزن الدبابات في زمننا الحالي، بل كانت مثل سيارة "الجيب" في حجمها ووزنها. واستمر الثوار يطاردون الفرنسيين المنسحبين حتى غياب الشمس في ذلك النهار، وهذا مؤكد وسمعته من عشرات الرجال كبار السن المحترمين الذين شاركوا في تلك المعركة وفي إحراز ذلك الانتصار. هذا والبطل الشهيد صالح شمس هو من قرية بقعاثا ونال شرف الاستشهاد في تلك الهجمة الباسلة واستحق أن يبقى اسمه خالدًا على مدى الأجيال ورمزًا للشجاعة الفذة التي سطرها هو وأمثاله الكثيرون من الثوار في المعارك التي خاضوها في أثناء ثورتهم على الاستعمار الفرنسي من اجل استقلال سوريا وحريتها.
واستمرت بعد ذلك الطائرات الفرنسية تُغير يوميًا على مجدل شمس والقرى الشقيقة الأخرى المذكورة المشاركة بالثورة، تقصفها بالقنابل والتسبب بدمار الكثير من البيوت والممتلكات، وكان الثوار الذين تحصّنوا في "جبل الشيخ" يتناوبون على البقاء في مواقعهم العالية الواقعة في قمة الجبل والذي تقع مجدل شمس على سفحه. ويطلقون من مكانهم نيران أسلحتهم على الطائرات المغيرة فتُضطر كل مرة الى الابتعاد جنوبًا تحاشيًا للاصابة من سلاح الثوار المعتصمين في أعالي الجبل في أماكن متفرقة. وبذلك كانوا ينجحون بالتقليل من إصابة قنابل الطائرات لبيوت البلدة وقتل السكان. واستطاعوا إصابة الطائرات الفرنسية المغيرة عدة مرات واسقطوا إحداها بواسطة بنادقهم من نوع "المويزير" التي غنموها مع غيرها من البنادق والرشاشات من الفرنسيين في أثناء مقاومتهم لهم.
وقبل اندلاع تلك الثورة في شمال الجولان، قامت السلطة الفرنسية باعتقال الشيخ "كنج أبو صالح" ونفيه الى تدمر وزجّه في سجنها. وبقي مسجونًا حوالي سنتين. وأقدمت على ذلك اعتقادًا منها بأن ذلك سيحبط امتداد الثورة من جبل العرب الى قرانا في شمال الجولان. لكن ذلك أسهم  بالمزيد من تأجيج المعنويات والإصرار على الانتماء للثورة والمشاركة في أحداثها بقيادة الشيخ "أسعد كنج أبو صالح" شقيق الشيخ كنج وهما من المجدل كبرى القرى التي شاركت في تلك الثورة.
هذا وبعد خمود الثورة في العديد من المناطق السورية واللبنانية، صممت السلطة الفرنسية على اغتنام الفرصة لمحو العار الذي أصابها في الحملة الأولى الفاشلة على مجدل شمس والقرى الشقيقة في شمال الجولان. وكذلك لتحجيم مفعول وتأثير الثورة التي أصبحت قرانا المذكورة الواقعة قرب الجنوب اللبناني، أحد مراكزها الهامة وغير خامدة. لذلك سيّرت من جديد ثلاث فرق عسكرية من جيشها تحت إمرة الجنرال الفرنسي "مارتان" الأولى أوكل إليها مهمة المهاجمة من الجهة الغربية لمنطقة شمال الجولان، متخذة مدينة "جديدة مرجعيون" اللبنانية قاعدة لانطلاقها، وقد ضمت فوجا من الرماة مع بطارية مدفعية وسريّة رشاشات وكوكبة من العساكر الخيالة، والفرقة الثانية أوكل لها مهمة المهاجمة من الشرق متخذة قرية "خان أرنبة" قاعدة لانطلاقها وضمّت سريّة دبابات وسرية مشاة. والفرقة الثالثة، انطلقت من معسكرها في مدينة القنيطرة متجهة الى مجدل شمس التي تجمع بها الثوار من القرى الشقيقة الثائرة لمواجهة الأعداء ككتلة واحدة. وفي الثالث من نيسان عام 1926 أطبقت الفرق العسكرية الفرنسية على البلدة بعد قصف مدفعي شديد برفقة الطائرات التي لم تفارق سماء المعركة. فصمد الثوار فيها بفضل بسالتهم واستمر القتال منذ الصباح حتى المساء قبل أن تسقط المجدل بيد الفرنسيين الذين هاجموها من الغرب والجنوب والشرق. والمصدر الذي استقيت منه هذه التفاصيل هو كتاب "كفاح الشعب العربي السوري" لمؤلفه "إحسان الهندي" وجاء فيه أيضًا قوله "يجب أن لا يفوتنا ذكر المعارك التي خاضها الثوار مع هذه الفرق العسكرية الفرنسية الثلاث في أثناء زحفها من جميع الجهات لاحتلال مجدل شمس، ومن أشهر تلك المعارك معركة "خان أرنبة" ومعركة "جسر الرقّاد" ومعركة "وادي العسل" التي جرت بالسلاح الأبيض تقريبًا بالاضافة للأسلحة الأخرى التي بحوزة الثوار. وهي على كل حال أسلحة متخلفة بالنسبة لأسلحة الجيش الفرنسي، زد على ذلك أن عدد القوات الفرنسية المهاجمة أكثر من خمسة آلاف جندي وضابط. وعدد الثوار المقاتلين في تلك المعركة حوالي ألف مقاتل. ومع ذلك استطاعوا خوض معركة شرسة اظهروا فيها ما لديهم من شجاعة وبطولة الى آخر النهار بفضل رباطة جأشهم وبسالتهم وإيمانهم بعدالة قضيتهم الوطنية التي يدافعون عنها".
وأنا شخصيًا سمعت العشرات من رجال تلك المعركة ومنهم والدي، يتحدثون عما جرى في ذلك اليوم التاريخي الهام من مجابهة بطولية، وأنه مما ساعد القوات الفرنسية، اضطرار قسم من الثوار على ترك مواقعهم والذهاب للدفاع عن أحد المعاقل في جبل الشيخ الذي لجأت اليه نساؤهم وأطفالهم والجرحى والعاجزون. حيث اهتدت القيادة الفرنسية في تلك المعركة الى ذلك المكان الذي أصبح مستهدفًا من قِبلهم. وعلى الرغم من شراسة الهجوم الفرنسي وقوّة أسلحته، تمكن بقية الثوار من الانسحاب المنظم بعد أن تركوا في أرض المعركة كما يروي الكتاب الذهبي الفرنسي عن تلك المعركة (204) من الشهداء وهم من جميع القرى الجولانية المذكورة في السطور السابقة من هذا المقال. وفي ذلك ما يدل على شراسة تلك المعركة وقسوتها.
هذا ولم تتمكن بعض الأسر من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه وهو التوجه الى جبل العرب اذا اضطروا للنزوح من قراهم في أثناء تلك الثورة وذلك لمتابعة الثورة هناك. وهذا هو الذي فعله أكثرية الثوار بعد ما وقعت مجدل شمس والقرى الشقيقة الأخرى في قبضة الجيش الفرنسي، ولكن بعض الأسر اضطرت للتوجه غربًا الى قرى الجليل في شمال فلسطين، متحيّنة الفرصة للعودة من جديد الى قراها. وبعد عدة شهور من ذلك توقفت الثورة واضطر قادتها الرئيسيون وفي مقدمتهم القائد العام للثورة سلطان باشا الأطرش للنزوح الى شرق الأردن والحجاز، وبينهم قائد ثوار الجولان الشيخ أسعد كنج أبو صالح. لكن الجناح السياسي للثورة لم تغادر أكثرية قادته سوريا واستطاعوا الاستمرار في مهمتهم الوطنية، وأثمر ذلك عن نجاحهم في التوصل للاتفاق مع السلطة الفرنسية، بالسماح لقادة الثورة النازحين بالعودة الى وطنهم وبلداتهم، جاء ذلك بعدما تبنت منظمة الامم المتحدة، خروج فرنسا من سورية ولبنان. وقبل ذلك نجحت أيضًا القيادة الوطنية السياسية التي تفاوضت مع الفرنسيين، بتمكين الثوار السوريين النازحين داخل وطنهم ومنهم ثوار الجولان من العودة الى بلداتهم وقراهم. فأعادوا بناء بيوتهم المهدمة بالمشاركة الجماعية التعاونية. وبعد عدة شهور عادت قراهم عامرة من جديد. ومن بين القادة السوريين السياسيين الرئيسيين آنذاك السادة، شكري القوتلي وهاشم الأتاسي وفارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر والأمير عادل أرسلان الذي شارك ايضًا في الثورة المسلحة. هذا ومن قادة الثورة الوطنية المسلحة السورية الذين روّوا بدمائهم أرض الجولان قرب مجدل شمس ما بين سحيتا ومسعدة، الشهيد "فؤاد سليم" أحد الأدمغة الكبيرة لتلك الثورة والقائد العسكري الكبير. وهو صاحب شعار الثورة المعروف "الدين لله والوطن للجميع" ومسقط رأسه في جبل لبنان، وكان من أوائل الشباب الذين التحقوا بالثورة العربية التي انطلقت من بلاد الحجاز بقيادة الشريف حسين، كما كان في طليعة الجيش العربي الذي دخل دمشق محررًا لها من حكم الأتراك العثمانيين. وعندما قامت الثورة السورية ضد الفرنسيين بقيادة سلطان باشا الأطرش، كان أحد قادتها الأفذاذ الذين عملوا على تحديث أساليب القتال للثوار وتوفير السلاح الجديد لهم بقدر الإمكان.
ومما يستحق الذكر وقد سمعته مرارًا عديدة وكنت صبيًا مهتمًا بتتبع ما يخص أخبار تلك الثورة الوطنية، من أفواه عشرات المجاهدين كبار السن الذين شاركوا فيها، ولا زلت أتذكره جيدًا هوالوصية التي كانوا يرددونها دائمًا وهي: "إذا تعرضنا في المستقبل نحن والأجيال الطالعة لوضع مشابه، يجب أن لا نترك ديارنا وأرضنا مهما كلفنا الثمن". وفعلاً حفظت الأجيال هذه الوصية فعندما نشبت الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على جيرانها في الخامس من حزيران عام 1967 واحتلت قرانا السورية، كان لتلك الوصية الايجابية والحكيمة حضور في ذاكرة وذهن غالبية المواطنين في قرانا، وساعد ذلك على اتخاذ القرار الصحيح بالصمود والبقاء في بلداتنا وبيوتنا وأراضينا مهما يكلفنا ذلك من تضحيات وصعوبات. فلم يغادر قرانا سوى عشرات الشباب  من الطلاب الجامعيين لمتابعة دراستهم الجامعية في العاصمة السورية دمشق.

قد يهمّكم أيضا..
featured

باراك سيستكمل مخطط شارون: فك الارتباط مع بقاء الاحتلال!

featured

رباعيّة الرّحيل

featured

من النرجس وإلى النرجس تعود

featured

واقع مخيف يلحق العار بشعبنا ويربك نضالنا

featured

هل تهز هزة هاييتي ضمير الانسانية؟؟

featured

زيارة فلسطينية ناجحة

featured

المقاومة الشعبية - وجه مضيء في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي

featured

انتصر الحق وارادة الجماهير في عرابة !