تمكَّن الرفيق عيدو إيلام، سكرتير فرع تل أبيب للشبيبة الشيوعية، من انتزاع إعفاء نهائي من الخدمة في جيش الاحتلال، مما يعني أنه لن يعود إلى السجن العسكري بعد رفضه أداء الخدمة. يأتي هذا القرار في ظل تصاعد الضغوط على الرافضين، وسط ازدياد القمع ضد من يعارضون الخدمة العسكرية لدوافع سياسية وأيديولوجية، خصوصًا في هذه الفترة التي تتواصل فيها حرب لما يزيد عن 15 شهرًا.
في المقابل، تستعد الرفيقة إيلا كيدار جرينبرج، عضو لجنة فرع الشبيبة الشيوعية في تل أبيب، لدخول السجن العسكري في 17 آذار/ مارس الجاري، بعد إعلانها رفض الخدمة العسكرية لأسباب أيديولوجية وسياسية. دعمًا لها، ستُنظَّم مظاهرة أمام مكتب التجنيد، تعبيرًا عن التضامن مع الرافضين ودعمًا لموقفها الشجاع.
يواجه رافضو الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال اليوم ظروفًا أكثر قسوة وخطورة مقارنة بالماضي، مما يجعل الدعم العلني لهم أكثر أهمية. وفي هذا السياق، أجرت صحيفة "الاتحاد" لقاءً مع الرفيقين عيدو وإيلا لفهم التحديات التي يواجهها الرافضون اليوم.
-
"الاتحاد": هل شهدت حركة الرفض تغييرات خلال الحرب؟
عيدو: "نعم، لقد شهدت حركة الرفض تغييرات كبيرة خلال الحرب. وجد العديد من الأشخاص الذين لم يكونوا ناشطين ضد الاحتلال قبل الحرب في الحركة، وفي الحركات الأخرى المناهضة للاحتلال، مساحة للتعبير عن آرائهم المعارضة للحرب. على سبيل المثال، تحولت الكتلة المناهضة للاحتلال (خلال المظاهرات ضد الانقلاب القضائي) إلى كتلة مناهضة للحرب أيضًا، لأنها كانت من أوائل الأصوات التي دعت إلى إنهاء الحرب".
وتابع: "على مدار العام، شاهدتُ أيضًا رافضين ضميريين تمسكوا بموقفهم وقضوا فترات في السجن، رغم أنهم لم يكونوا جزءًا من الحركة قبل الحرب. كذلك، تواصل معنا العديد من الأشخاص للاستفسار عن الرفض الضميري، وأبدوا اهتمامًا بالانخراط في النشاط السياسي ضد الحرب. كان هناك بحث واضح عن إطار سياسي بديل".
إيلا: حدة موقف الجيش ازدادت تجاه الرافضين، موضحة أنه قبل الحرب، كان الرفض يعبر في الغالب عن معارضة رمزية ضد الاحتلال، رغم أهميتها، أما اليوم، فإن معارضة الاحتلال تعني اعتراضًا نشطًا على الإبادة الجماعية التي تُرتكب أمام أعيننا
بدورها، أكدت الرفيقة إيلا على أنّ حدة موقف الجيش ازدادت تجاه الرافضين، موضحة أنه قبل الحرب، كان الرفض يعبر في الغالب عن معارضة رمزية ضد الاحتلال، رغم أهميتها، أما اليوم، فإن معارضة الاحتلال تعني اعتراضًا نشطًا على الإبادة الجماعية التي تُرتكب أمام أعيننا.
-
"الاتحاد": هل زاد عدد الرافضين؟
قال عيدو: "نعم، شهدنا زيادة كبيرة في عدد الرافضين للخدمة العسكرية خلال الحرب، مقارنة بالسنوات السابقة. عندما رفضتُ الخدمة في نوفمبر 2024، كان هناك 11 رافضًا للحرب منذ بدايتها وحتى ذلك الحين، بينما في السنوات السابقة كان العدد يتراوح بين 3 و4 رافضين سنويًا".
وتابع: "من المهم ملاحظة أن هذا الرقم لا يشمل رافضي الخدمة في الاحتياط الذين لم يُحاكموا بسبب قرارهم السياسي، كما أنه لا يشمل مئات الشباب الذين حصلوا على إعفاءات من الجيش بطرق مختلفة، رغم أن دوافعهم كانت سياسية".
إيلا تلاحظ أنه منذ بداية الحرب، أعلن عشرة أشخاص رفضهم للخدمة العسكرية علنًا لأسباب ضميرية، بالإضافة إلى عشرات الرافضين من جنود الاحتياط.
وأضافت أن ذلك يعود إلى عاملين رئيسيين:
- تصاعد حدة الواقع الذي يُطلب منا المشاركة فيه، والذي أصبح أكثر تطرفًا وعنفًا.
- تشديد النظام على فرض الطاعة من خلال تصعيد الإجراءات القمعية، مما كشف حقيقة كانت قائمة دائمًا في إسرائيل: لا يوجد خيار ثالث، بل فقط الطاعة أو الرفض.
-
"الاتحاد": هل أصبح الشباب أقل استعدادًا للرفض، ربما بسبب الخوف من الأجواء الفاشية؟
أجاب عيدو: "في بداية الحرب، لاحظنا انحرافًا نحو اليمين المتطرف بين الشباب. تعرض الكثيرون لصدمة بسبب أحداث 7 أكتوبر، ولم يكن لديهم الوقت الكافي لاستيعاب ما حدث قبل اندلاع الحرب، مما دفع البعض إلى تبني مواقف انتقامية".
وأضاف: "لكن مع مرور الوقت، ازداد عدد الأصوات المطالبة بوقف الحرب. بدأ العديد يدركون أن الحل الوحيد لإعادة الأسرى الإسرائيليين أحياء هو التوصل إلى اتفاق ووقف إطلاق النار، وأن الثمن الذي تدفعه إسرائيل مقابل استمرار الحرب واحتلال غزة أصبح باهظًا".
وتابع: رغم ذلك، كانت الأجواء القمعية في المجتمع رادعة للعديد من الأشخاص الذين يخشون التعبير عن مواقفهم المعارضة. في بداية الحرب، كان حتى الدعوة لوقف إطلاق النار أو السلام سببًا للملاحقة من قِبل الشرطة والحكومة. لكن مع مرور الوقت، استعادت حركة الرفض نشاطها، وشهدنا مظاهرات ضد الحرب نظمتها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ومجموعات أخرى."
وأكد: "لا يزال هناك دعم واسع للحرب داخل إسرائيل، لكن من ناحية أخرى، زاد عدد الرافضين. أعتقد أن الكثير من الشباب كانوا مترددين سياسيًا في البداية، لكنهم رفضوا تصديق الدعاية العسكرية، وأدركوا أن الحرب ليست في صالحهم، فانضموا إلى الحركات المناهضة للاحتلال".
وتشير إيلا إلى أن هناك تأثير مزدوج:
- من جهة، أصبح الرفض أكثر صعوبة وخطورة، حيث يتعرض الرافضون للقمع السياسي والاجتماعي، وهو تهديد حقيقي كما رأينا في قضايا مثل اعتقال الرفيق فادي أبو يونس.
- من جهة أخرى، كلما زاد القمع، زادت الحاجة لمعارضته، وبالتالي قد نشهد في النهاية ارتفاعًا في أعداد الرافضين.
-
"الاتحاد": هل أصبح الجيش أكثر صرامة في تعامله مع هذه القضية اليوم؟
أيلا: العقوبات المفروضة على الرافضين أصبحت أكثر قسوة، حيث طالت مدة السجن، كما أصبح من الصعب الحصول على إعفاء. الجيش يحاول كسر معنويات الرافضين والتعامل معهم بيدٍ من حديد.
وتابعت: "بالنسبة لي شخصيًا، هذا الوضع يطرح تهديدًا إضافيًا، كوني شخصًا معترضًا على أساس الهوية الجندرية. لا يوجد سابقة قانونية أو عسكرية واضحة لهذا الأمر، لذا من غير المعروف كيف سيتعامل الجيش معي، أو أي نوع من السجون سيتم إرسالي إليه، مما قد يعرضني للخطر ويؤدي إلى انتهاك حقي في الوجود".
عيدو: خلال العام الماضي، شهدنا تصعيدًا كبيرًا في تعامل الجيش مع الرافضين الضميريين. منذ بداية الحرب، يُحكم على كل رافض بأقصى عقوبة ممكنة. أصبح من شبه المستحيل الحصول على إعفاء لأسباب ضميرية. يُرسل الرافضون إلى السجن رغم مطالبتهم بمقابلة لجنة الضمير. وحتى فيها المعايير أصبحت أكثر تشددًا، مما يجعل من الصعب الحصول على الإعفاء
وأكّد عيدو: "بلا شك. خلال العام الماضي، شهدنا تصعيدًا كبيرًا في تعامل الجيش مع الرافضين الضميريين. منذ بداية الحرب، يُحكم على كل رافض بأقصى عقوبة ممكنة. على سبيل المثال، قضى تال ميتنيك، أول رافض ضميري خلال الحرب، ستة أشهر في السجن قبل الإفراج عنه. أما إيتامار جرينبيرج، الذي رفض الخدمة العسكرية وكان معي في السجن، فقد قضى بالفعل 195 يومًا في السجن ومن المتوقع أن يُسجن مرة أخرى، وهو ما يُعدّ رقمًا قياسيًا في العقد الأخير".
وأضاف: "أصبح من شبه المستحيل الحصول على إعفاء من الجيش لأسباب ضميرية. يتم تجاهل طلبات الإعفاء، ويُرسل الرافضون إلى السجن رغم مطالبتهم بمقابلة لجنة الضمير. حتى عندما يتمكن الرافض من المثول أمام اللجنة، التي تتألف من ضباط في الجيش، فإن المعايير أصبحت أكثر تشددًا، مما يجعل من الصعب الحصول على الإعفاء".
-
"الاتحاد": ما هي نظرة المجتمع لمن يرفض الخدمة في جيش الاحتلال، وما هي الصعوبات المتوقعة بعد الإعلان عن رفضه؟
قال عيدو: "أصبح المجتمع الإسرائيلي أكثر عدوانية تجاه الرافضين منذ بداية الحرب. لطالما واجه الرافضون صعوبات، لأن رفض الخدمة العسكرية لا يُعتبر فقط مخالفة قانونية، بل يُنظر إليه أيضًا كخيانة للقيم المجتمعية، حيث يُتوقع من الجميع "تحمل العبء الوطني".
وتابع: "خلال الحرب، أصبح التعبير عن آراء معارضة أكثر صعوبة. الكثير من الناس غير مستعدين لسماع الأصوات الرافضة للحرب، بسبب التغطية الإعلامية المنحازة التي تُخفي الجرائم المرتكبة في غزة، وظروف الأسرى الفلسطينيين، وأعداد المدنيين الذين قُتلوا، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية".
وأكد: "مهمتنا، كرافضين وضد الاحتلال، هي كشف هذه الحقائق. لا أرفض الخدمة فقط لأسباب ضميرية، ولكن أيضًا لأتمكن من شن حملة علنية ضد الاحتلال وجرائم الحرب، سواء في الإعلام أو في الشارع أو على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن اتخاذ هذا الموقف له ثمن. منذ أن أعلنت عن رفضي، تلقيت مئات الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي تتمنى لي المرض والموت وسحب جنسيتي. في المدرسة، بعد أن عرف زملائي أنني سأرفض الخدمة، أطلقوا عليّ ألقابًا مثل "نازي" و"إرهابي" و"معادٍ للسامية".
واختتم: "هذا يجعل العيش داخل المجتمع الإسرائيلي صعبًا. آمل ألا يمنعني رفضي للخدمة من الحصول على وظائف أو القبول في الجامعات في المستقبل. في كل محادثة مع شخص جديد، أشعر بالتوتر إذا سألني عن موقفي من الجيش، لأن الإجابة قد تؤدي إلى نبذي من المجتمع".
وتقول إيلا إن الرفض الضميري يُعتبر في نظر شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي بمثابة خيانة، نظرًا لأن الخدمة العسكرية تُعد قيمة مقدسة في إسرائيل. الجيش متجذر في جميع جوانب الحياة، بدءًا من المدارس وصولًا إلى سوق العمل، ولذلك فإن رفض الخدمة لا يُنظر إليه فقط كمعارضة للمؤسسة العسكرية، بل كتحدٍ للمجتمع بأسره.
وتابعت: "نتيجة لذلك، يواجه الرافضون تحديات كبيرة، اشمل الإقصاء الاجتماعي، صعوبة في العثور على فرص عمل، وحتى تهديدات مباشرة بسبب موقفهم".
عيدو يختتم بالقول: "بصفتي سكرتيرًا للشبيبة في تل أبيب وعضوًا في الشبيبة الشيوعية منذ ما يقرب من أربع سنوات، فإن حركة الرفض الضميري تُمثل قضية مركزية بالنسبة لي. من واجبنا دعم الرافضين الضميريين والوقوف إلى جانبهم".
وأكّد: "الرفض ليس مجرد موقف شخصي، بل هو فعل سياسي ذو تأثير كبير، يشجع الآخرين على التفكير واتخاذ موقف. خلال فترة رفضي، تلقيت دعمًا كبيرًا من رفاقي في الحزب الشيوعي، مما أثر فيَّ بعمق".
وأضاف: "في ظل حرب تقتل عشرات الآلاف، وتضرّ بالطبقة العاملة والفئات المهمشة، فإن الرفض هو القرار الصحيح والعادل. أشكركم على إتاحة الفرصة للحديث عن الرفض الضميري في صحيفة "الاتحاد"، فهذه المنصة تعني لي الكثير، أكثر من أية منصة أخرى".










