في ظل واقع أليم نعيشه نحن الفلسطينيون، حيث يواصل الاحتلال عدوانه المستمر على غزة، وتتفشى جائحة العنف والجريمة في مجتمعنا العربي، وتزداد ملامحنا تشرذمًا بفعل التحديات الكبيرة التي نواجهها، يبقى الفن قوة لا يمكن كبحها. ورغم محاولات التهميش والإلغاء من قبل السلطات، يظل الفن في مجتمعنا العربي مصدرًا للمقاومة والوعي، يصر على أن يكون أحد أبلغ الوسائل للتعبير عن الأمل والتغيير.
عرض "ريش" هو تجسيد حي لهذه المقاومة الفنية، وهو دعوة للتأمل العميق في مفهوم التحرر الشخصي والجماعي. من خلال هذا العرض المبتكر، الذي صممته وأخرجته الفنانة شادن أبو العسل، نغوص معًا في أعماق الحرية الإنسانية، حيث يصبح الجسد أداة تعبير صادقة عن معنى التحرر والنجاة من قيود السلطة.
شادن أبو العسل مصممة حركة، مخرجة، راقصة، ومعلّمة. تخرّجت من أكاديمية الموسيقى والرقص في القدس. عملت كراقصة محترفة لعدة سنوات. أسست "مدرسة عايدة للباليه والرقص المعاصر" في مدينة الناصرة، حيث كوّنت فريقًا مهنيًا ومتفانيًا مدفوعةً بشغفها في نشر وتطوير فنون الرقص. وبالتوازي عملت على انتاج وتصميم اعمالها المستقلة. في عام 2019 أسست شادن "فرقة شادن للرقص المعاصر" لتكون بيتا للراقصين/ات الفلسطينيات/ين الذين قرروا احتراف الرقص (واليوم أصبحت الفرقة مساحة متاحة لكل الراقصين والراقصات من البلاد والخارج) اصبحت فرقة شادن قاعدة مهمة في تطوير الفن والرقص المعاصر لدى شعبنا حيث تجاوزت حدود الجغرافيا وانطلقت إلى العالميّة.
تحرص شادن أبو العسل على تقديم فنّ له هُويّة متّصلة في سياق واقعنا حيث الجسد حاضرا بمفهومه السياسي الثقافي الفني والجماليّ كذلك.
من أبرز المحطات التي مر بها العرض كان مهرجان الهيئة العربية للمسرح الخامس عشر في مسقط، سلطنة عمان، حيث استُعرض "ريش" في قاعة قصر البستان، ليُقدّم على مسرح دولي مرموق ويُمثل فلسطين في هذا المهرجان الذي يحظى بصيت ذائع. حيث اختار المهرجان عرض "ريش" من بين نحو 175 طلبًا للمشاركة، واختار من بينها 15 عرضًا فقط من 13 دولة، في منافسة صعبة في ظل المستوى الرفيع الذي اتسمت به العروض المقدمة، بحسب ما كان قد صرح الأمين العام للهيئة في تصريح سابق.
ويُشار إلى أن المهرجان هذا العام جاء تحت شعار "مسرح عربي جديد ومتجدد"، وتنظم الهيئة العربية للمسرح المهرجان في كانون الثاني/ يناير من كل عام منذ 2009، ليُقام بالتبادل بين الدول العربية. أقيمت أول دورة في مصر، بينما كانت الدورة السابقة في عام 2024 في العراق.
كما يتضمن المهرجان إلى جانب العروض المسرحية مجموعة من الفعاليات المصاحبة، مثل ورش العمل الفنية التي يقدمها مخرجون وممثلون محترفون، والندوات التي تناقش تحديات المسرح العربي وسبل تطويره، بالإضافة إلى جلسات حوارية بين المشاركين والجمهور، بهدف تعزيز الوعي الثقافي وتطوير المواهب المسرحية.
*فريق عمل "ريش" هم نخبة من الفنانين الذين أسهموا بشكل مميز في إبداع هذا العمل الفني الفريد. شادن أبو العسل، التي قامت بتصميم وإخراج العرض، هي الفنانة الفلسطينية النصراوية المبدعة التي كانت وراء هذا العمل المبتكر، الموسيقار سعيد مراد، د. حازم كمال الدين الذي تولى دراماتورجيا العرض وتصميمه السينوغرافي، والمؤدون المبدعون عنان أبو جابر، ماشا سمعان، هيا خورية، سميحة عباس، مصمم الإضاءة محمد شاهين، ومهندس الصوت فادي مراد.
في هذه المقابلة، نتعمق في فكر شادن أبو العسل حول كيفية تحول "ريش" إلى منارة أمل وسط الظلام الذي يكتنف المنطقة، وكيف شكّل استجابة خلاقة للعدوان على غزة ولبنان. نتناول أيضًا تساؤلات شادن حول مفهوم السلطة، العلاقة بالذات والآخر، وكيف تثير أعمالها أسئلة وجودية تدفعنا للتفكير العميق في القضايا الاجتماعية والسياسية.
المقابلة تُبرز رؤية شادن حول قوة الفن كأداة فاعلة للتغيير الاجتماعي، وكيف يمكن أن يتحول الفن إلى مقاومة ثقافية تحمل الأمل والتغيير في ظل واقع مليء بالتحديات.
"الاتحاد": كيف وُلِدت فكرة عرض "ريش"؟ ما هي رسالته وما هي الرمزية التي يحملها العنوان؟
أبحث دائمًا من خلال أعمالي عن معنى للحياة وما تحمله من تفاصيل، وفي صميمها العلاقات البشرية ومعنى الآخر، وما ينتج عنها من مشاعر وسلوكيات، تكون في بعض الأحيان ظاهرة، وفي معظمها مختبئة في اللاوعي.
هذه الديناميكيات الغامضة، المنهكة والساحرة في آنٍ معًا، تجذبني دائمًا وتتشابك فيها تجاربي الخاصة، مغامراتي وانغماسي في هذه الحياة بكل علاقاتها المركبة، وتأثيراتها على كينونتي وتثير باستمرار تساؤلاتي حول طبيعة الإنسان، ما يحركه وماذا يدفعه منطلقة أولًا من محاولة فهمي لذاتي وتوقي لمعرفة عالمي الداخلي، بأسراره وغموضه وكل ما يتأثر به ويؤثر عليه. هذه العلاقة الجدلية بين الذات والآخر كانت دائمًا شغفي ودافعًا ملهمًا لأعمالي الفنية.
يطرح "ريش" أسئلة وجودية حول النفس والسلطة، مثل: كيف تشكل السلطة عالمنا النفسي وواقعنا؟ هل يمكن للذات أن توجد بدون سلطة تشكلها؟ بين الخضوع والتحرر، بين الاستقلال والانتماء، يبدأ الصراع ومحاولات المقاومة. يدعو العرض الجمهور للتفكير في تأثير السلطة على حياتهم ورغباتهم، ويتركهم مع تساؤلات حول إمكانية التحرر والتغيير.
جاء اختياري لعنوان العمل "ريش" لما يحمله من ثنائية المعاني، فالريش مادة خفيفة الوزن، رقيقة وهشة في أحيانٍ كثيرة، ومع هذا فهي تمتلك قوة خارقة، وتمنح الكائن القدرة على الطيران والتحليق.
هل سيكون الريش ملجأ لأرواحنا الباحثة عن الخلاص، أم تناثرًا وسقوطًا في واقعٍ قاسٍ ومثقلٍ بالقيود؟
"الاتحاد": إلى أي مدى تأثر العرض بالأحداث الجارية، وخاصة العدوان على غزة ولبنان؟
بدون شك، كان هناك تأثيرٌ كبيرٌ، ليس فقط على فكرة العمل ومضامينه، بل أصبح "ريش" طوق نجاة أمام الإحساس بالعجز وفقدان الأمل لنا جميعًا. فبالنسبة لي ولفريق العمل، لم يكن مجرد استجابة للأحداث، بل محاولة لاستعادة الحركة والقدرة على التحليق في فضاء يزداد ضيقًا، حيث يصبح كل تحليقٍ فعل بقاء.
“ريش" أتاح لنا أن نعيد التفكير في ذواتنا، وكيف تتشكل الهوية الفردية والجماعية تحت الهيمنة، وما طبيعة العلاقات التي تنشأ في مجتمعات تعيش تحت وطأة القمع بأشكاله المختلفة، وعلى رأسها القمع الفكري الذي يُشكِّل أساسًا لكل أنظمة السيطرة الأخرى.





.jpeg)
